قال لي صديقي ح ٣١٦.. الشاعر الأستاذ محمد عصام علوش

أضف تعليق
(قال لي صديقي) 

ـ الحلقة ثلاث مئة وستَّ عشرة ـ

{قصَّة النَّابغة والخنساء وحسَّان في سوق عكاظ} 

ما مِن شاعرٍ تعرَّض لحملات من التَّشويه كما تعرَّض لها سيِّدنا حسَّانُ بنُ ثابتٍ رضي الله عنه، وأعظم فريتيْن طالتا حسَّان بن ثابت أنَّه كان جبانًا وقد رددتُ على هذه الفِرية في حديثٍ سابق، والفِرية الثَّانية هي محاولة الإزراء بشعره والغضِّ من مكانته في القصَّة المزعومة في سوق عكاظ بينه وبين النَّابغة الذُّبياني والخنساء والأعشى، تقول القصَّة كما أوردتها بعضُ كتب الأدب: " كان نابغة بني ذبيان حكمًا في الشِّعر، وكانت تُضرَبُ له قبَّةٌ من أدم (من جلد وقيل هو أحمر) بسوق عكاظ، يجتمع إليه فيها الشُّعراء، فدخل عليه حسَّان بن ثابت وعنده الأعشى، وكان الأعشى قد أنشده شعره، ثم حضرت الخنساء فأنشدته قصيدتها الَّتي مطلعها: 

قـذًى بعـيـنِـكِ أمْ بالعـيْـنِ عـوَّارُ       أمْ ذرَّفتْ إذْ خلَتْ من أهلِها الدَّارُ...

قال النَّابغة: لوْلا أنَّ أبا بصيرٍ (يقصد الأعشى) أنشدني قبلَكِ، لقلتُ إنَّكِ أشعر النَّاس، وفي روايةٍ لقلت إنَّكِ أشعر الإنس والجنِّ، وفي روايةٍ لقلت إنَّكِ أشعر من أنشدني في هذا الموسم، وفي روايةٍ: أنت والله أشعر من كلِّ ذات مَثانة، فقالت الخنساء: ومن كلِّ ذي خَصييْن... فقال حسَّان: أنا والله أشعر منك ومنها. قال حيث تقول ماذا؟ قال حيث أقول: 

لـنا الجفَناتُ الغرُّ يلمعن بالضُّحى        وأسيافُـنا يـقـطرن مـن نجـدةٍ دما 

ولدنا بني العـنـقـاءِ وابـنيْ محرِّقٍ        فـأكـرِمْ بـنا خالًا وأكـرِمْ بنا ابنما 

قال النَّابغة: إنَّك لشاعر، ولكنَّك لا تحسن أن تقول: 

فـإنَّـك كالـلَّـيْـلِ الَّذي هو مدركي         وإنْ خِلتُ أنَّ المنتأى عنكَ واسعُ.

وأنت قلَّلْتَ عدد جفانك، وفخرتَ بمَن ولدتَ، ولمْ تفخر بمَن وَلَدك.

وفي روايةٍ: إنَّك قلت (الجفَنات)، فقلَّلتَ العدد، ولو قلت (الجفانَ)، لكان أكثر. وقلت (يلمعن بالضُّحى)، ولوْ قلتَ (يبرقن بالدُّجى) لكان أبلغَ في المديح، لأنَّ الضَّيْفَ باللَّيْلِ أكثر طروقًا.وقلتَ (يقطرن) من نجدةٍ دما، فدلَّلتَ على قلَّة القتل، ولوْ قلت (يجرين أو يسِلْن) لكان أكثرَ لانصباب الدَّم، وفخرتَ بمَن ولدتَ، ولم تفخر بمن ولدَك، فقام حسَّان منكسرًا منقطعًا." (الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ج/9 ص 384 طبعة دار الفكر. (بتصرُّف)

وقد ذكر المرزباني قي الموشَّح (ص76) قصَّة النَّابغة مع حسَّان دون أن تكون الخنساء طرفًا فيها، فالنَّابغة استمع إلى الأعشى فحسَّان، ثم علَّق على الأخير بقوله: أنت شاعر، ولكنَّك أقللتَ جفانك وأسيافك، وفخرت بمن وَلَدتَ، ولمْ تفخر بمن ولدك. 

وقد ذكر المتتبِّعون لهذه القصَّة أنَّ الرِّوايات فيها متضاربة متناقضة فهناك من جعل النَّقد على لسان الخنساء وليس على لسان النابغة، وهذا (برأيي) لا يمكن أن يكون لأنَّ الخنساء التي رفضت الزَّواج من دريد بن الصِّمَّة الفارس العربيِّ المشهور لا يمكن لها أن تنحدر في لغتها وفي مستواها لتقول أنا أشعر من كلِّ ذي خصييْن حسب الرِّواية الأخيرة، ولأنَّ الخنساء نفسها استخدمت في قصيدتها في رثاء أخيها صخر جمع القِلَّة أكثر من مرَّةٍ كما في قولها: 

تبكي لصخرٍ هي العبرى وقد ولَهَت      ودونه من جديدِ التُّرب (أستارُ). 

فـ (أستارٌ) جمع من جموع القِلَّة شأنه شأنُ (أسياف)، بل إنَّ رواية إنشاد الخنساء قصيدتها في رثاء أخيها صخر تسقط جملةً وتفصيلًا في هذه القِصَّة إذا علمنا أنَّ النابغة توفِّي كما تقول المصادر في عام (604م) بينما توفِّي صخر بن الشَّريد السّلَميُّ إثر إصابته بجرح في عام (613م) أيْ بعد وفاة النابغة بحواليْ تسع سنواتٍ، فكيْف للخنساءِ أن تنشد شعرًا في رثاء أخيها صخرٍ قبل وفاته بسنواتٍ. (انظر الجمهرة معلمة مفردات المحتوى الإسلامي. نقلا عن معجم الأعلام للزِّركلي. 

وإذا ما انتقلنا لتفنيد نقد النَّابغة لشعر حسَّان بن ثابت رضي الله عنه، فإنَّه يمكننا الاعتماد على ما ذكره قدامة بن جعفر في كتابه (نقد الشِّعر) عن بيت حسَّان الأوَّل فقال: "... فمِن ذلك أنَّ حسَّان لمْ يُرد بقوله: "الغُرّ" أن يجعل الجفان بيضًا... وإنَّما أراد بقوله "الغُرّ" المشهورات، كما يُقال يوم أغَرُّ ويَدٌ غرَّاءُ، وليس يُراد البياض في شيْءٍ من ذلك بل تُراد الشُّهرة والنَّباهة. 

وأمَّا قوْل النَّابغة "يلمَعن بالضُّحى" أنَّه لوْ قال "بالدُّجى" لكان أحسن... فهو خلافُ الحقِّ وعكس الواجب؛ لأنَّه ليْس يكاد يلمع بالنَّهار من الأشياء إلا السَّاطعُ النُّورِ الشَّديدُ الضِّياءِ، فأمَّا اللَّيْلُ فأكثر الأشياء ممَّا له أدنى نورٍ وأيسر بصيصٍ يلمع فيه... 

وأمَّا قول النَّابغة أوْ مَن قال: إنَّ قوله في السُّيوف "يجرين" خيْرٌ من قوله: "يقطرن" لأنَّ الجري أحسن من القطر، فلمْ يُرد حسَّان الكثرة، وإنَّما ذهب إلى ما يلفِظ به النَّاس ويتعاودونه من وصف الشُّجاع الباسل والبطل الفاتك من أن سيفه يقطر دمًا، ولمْ يُسمع سيفه يجري دما... فهذا مما لم تجرِ عادةُ العرب به. (قدامة بن جعفر في نقد الشعر ص 64)

ومن المعروف للُّغويِّين أنَّ جمع المؤنَّث السَّالم وأوزانَ جموع القِلَّة إذا حُلِّيت بلام التَّعريف أو إذا أضيفت فإنَّها تفيد الكثرة، وليس هناك ما يعيب حسَّان في استخدامها ناهيك عن أنَّ جموع القِلَّة قد تستخدم للكثرةِ كما أنَّ جموع الكثرةِ قد تستخدم للقِلَّة. قال البغدادي (ص108) وكان أبو عليٍّ يُنكِر الحكاية المرويَّة عن النَّابغة... وقال هذا خبرٌ مجهولٌ لا أصل له؛ لأنَّ الله تعالى يقول: "وَهُمْ في الغُرُفاتِ آمنون" ولأنَّ الله تعالى يقول: "وبشِّر الَّذينَ آمنوا وعمِلوا الصَّالِحاتِ أنَّ لهم جنَّاتٍ تجري من تحتِها الأنهار" فهذه (جنَّات) جمع مؤنَّث سالم ولم تُفد معنى القِلَّة. كما أنَّ سيبويه لمَّح إلى ضعف القِصَّةِ، وعلَّق البغداديُّ صاحب الخزانة عقب قول سيبويه بقوله: "وهذا طعنٌ منه على هذه القصَّة، وقد نُقل كذلك عن الزَّجاج قوله: "وهذا الخبر عندي مصنوعٌ" (الخزانة ج 8 ص 107). (بتصرُّف)

ثمَّ إنَّ القوْلَ إنَّ حسَّان افتخر بمن ولدت نساؤهم ولم يفتخر بآبائهِ وبقومه هو غير دقيق، ففي القصيدة نفسها فخر حسَّان بقومه في أكثرَ من موْضع، ومنه:

لـنـا حاضــرٌ فَـعْـمٌ وبـــادٍ كــأنَّـه       شماريخُ رَضوى عِزَّةً وتكرُّما 

ألسنا نردُّ الكبشَ عن طِيَّةِ الهوى       ونقـلِـب مُرَّانَ الوشيج مُحطَّما 

 والعجيب أنْ يتصدَّى النَّابغة لنقد حسَّان في شعره وألَّا يكون للأعشى أبي

 بصير رأيٌ في أيٍّ ممَّا ذُكِر، والنَّابغةُ هو الَّذي أُخِذ عليه الإقواءُ

 في إحدى قصائده، عندما اختلفت عنده حركة حرف الرّويِّ بين كسرٍ وضمٍّ،

 في القصيدة الواحدة، وذلك في قوله: 

مـن آلِ مَــيَّــةَ رائــحٌ أوْ مغـتـدي      عجـلانَ ذا زادٍ وغـيـرَ مُزوَّدِ... 

زعمَ الـبوارحُ أنَّ رحـلـتـنـا غـدًا       وبذاك خبَّرنا الغرابُ الأسودُ

ويحكى أنَّ أهل مكَّة طلبوا من جاريةٍ أنْ تغنِّي الشِّعرَ أمامه، فتعمَّدت المدَّ في حركة حرف الرّويِّ فانتبه إلى غلطه، فغيَّر الشَّطر، فقال: 

زعم الـبَـوارحُ أنَّ رحلـتـنا غـدًا        وبـذاك تَـنْـعابُ الغرابِ الأسْوَدِ

 ولوْ كانت رواية النَّابغة مع حسَّان صحيحة لعابَ عليه حسَّان هذا الإقواء الذي

 اشتهر على ألسنة النَّاس. 

أراد صديقي أن يتحدَّث عن سند هذه الرِّوايات الذي تتبَّعه بعض المهتمِّين بالسَّند من علماء الحديث فرأوه مقطوعًا، فقلت له: إنَّ فيما أوْرَدت لكفاية، وواللهِ لقد كنت أشكُّ في هذه القصة منذ زمنٍ بعيدٍ؛ لأنَّ النَّقد المعلَّلَ بهذه التَّعليلات لمْ يكن ممَّا عُرِف في الجاهليَّة قبل جمع علوم اللُّغة والنَّحو والصَّرف. ولوْ أنَّ حسَّان قال: 

لنا الجفانُ البيضُ يبرقن بالدُّجى      وسيوفنا يجرين من نجدةٍ دماء. 

لخرج عن مقتضى الوزن وعن الذَّوْقِ وعن السَّبك الجميلِ في المبنى والمعنى

 ولنحر شاعريَّته أمام الجميع نحرًا.

 محمد عصام علوش

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.