إدريس جماع المجنون العبقري.. الشاعر الأستاذ محمد عصام علوش

أضف تعليق


 (قال لي صديقي)

ـ الحلقة ثلاث مئة وثماني عشرة ـ

ـ إدريس محمد جَمَّاع العبقريُّ المَجنون ـ

يقولون: إنَّ ما بين العبقريَّة والجنون قيد شعرة، وربَّما تكون هذه الشَّعرة اختفت عند

شاعرنا السُّودانيِّ (إدريس محمد جَمَّاع) ولقد وعدتُ في الحلقة السَّابقة أنْ أستكمل

الحديث عن الشَّاعر في هذه الحلقة، بعدما نفيْتُ قصَّة المطار المختلقة التي تزعم أنَّه

تغزَّل فيها بعروسٍ كانت في صحبة زوْجها، وقصَّة المُمرِّضة الإنجليزيَّة ذات النَّظَّارة

السَّوداء ساحرة العينيْن...

الشَّاعر إدريس محمد جمَّاع (1922 ـ 1980م) ولد في (حلفاية الملوك) بالخرطوم

بحري، ونشأ نشأةً دينيَّةً في كنف أسرته المحافظة، فحفظ القرآن الكريم، وترقى في

مدارج التَّعليم في السُّودان، إلى أن سافر إلى مصر فحصل على درجة (اللّيسانس) في

اللُّغة العربيَّة والدِّراسات الإسلاميَّة، ودبلوم معهد التَّربية للمعلِّمين، وأمضى حياته

المهنيَّة معلِّمًا في المدارس في العديد من مناطق السُّودان...

يغلب على شعر (جمَّاع) موضوعان: الأوَّل فيهما: هو النَّزعة الإنسانيَّة والتَّأمُل والحكمة،

والحبُّ العذريُّ والتَّغنِّي بالجمال الآسر، والثَّاني: هو الشِّعر الوطنيُّ والقوْمِيُّ المقاوم

للاحتلال الإنجليزيِّ للسُّودان، والمناهض للاستعمار الأوربِّي للبلاد العربيَّة، وتتَّسم

أشعار جمَّاع بشكلٍ عامٍّ برقَّة الألفاظ، وبالسُّهولة والسَّلاسة والوضوح، وبالعاطفة

الصَّادقة والمشاعر النَّبيلة، والصُّور البيانيَّة الجميلة.

أصيب قبل وفاته بمرضٍ نفسيٍّ أدَّى إلى نقله للعلاج في لبنان، كما ذكرتُ في الحلقة

السَّابقة، ثم أعيد فتوفِّي في السُّودان.

جمَّاع هذا كان أعجوبة العصر في شعره الرُّومانسيِّ الَّذي تنفَّس فيه حبًّا عذريًّا عبَّر عن

مكنونات نفسه تجاه فتاةٍ أحبها منذ الصِّغر، ومنَّى نفسه بالزَّواج منها بعد عودته من

القاهرة إلَّا أنَّه فوجئ بها متزوِّجةً من رجلٍ آخر، فساءت حالته الصِّحِّيَّةُ بعد حين، وشدا

بها الأشعار حتى شُبِّه بمجنون ليْلى وبغيره من شعراء الحبِّ العذريِّ، يقول في قصيدة

(ربيع الحبِّ) الَّتي روى فيها قصَّة حبِّه المخفقة:

في ربـيـعِ الـحــبِّ كـنَّـا نـتـسـاقـى ونُـغـــنِّي

نـتـناجى ونناجي الطَّيْرَ من غُـصنٍ لـغُـصنِ

إنَّـنـا طـيْـفـانِ في حُـلْــمٍ سَــمـاويٍّ سَــرَيْـنـا

واعـتـصرنا نشوَةَ العُمْرِ فـما منها ارتَـويْـنا

إنَّـه الحــبُّ فـلا تـسـألْ ولا تـعـتـبْ عـلـيْـنا

كانـتِ الجـنَّـةُ مـأوانـا فـضاعـتْ مِن يَـديْـنـا

ثمَّ ضاع الأمسُ منَّا وانطوى بالقلبِ حسرَة

وهاهو في قصيدةٍ أخرى بعنوان (شاءَ الهوى) يعاتبها معاتبة المحبِّ الحزين الذي فقد في

فقدها أنفَس ما كان يملك، فيقول وهو مكلوم الفؤاد:

شاءَ الهوى أمْ شِئْتِ أنتِ فمَضيْتِ في صمتٍ مَضيْـتِ

أمْ هَـزَّ غُـصنَـكِ طائـرٌ غـيْـري فـطرتِ إلـيْهِ طِـرتِ

وتـركـتِـني شَـبَـحًـا أمُــدُّ إلـيْـك حــبِّـي أيْــن رُحـــتِ

وغـدَوْتُ كـالـمَـحمـومِ لا أهْــذي بـغـيْـرِ هـواكِ أنـتِ

أجري. أفِرُّ. أتوهُ. أهربُ. في الزِّحامِ يَضيع صوْتي

واضَـيْـعَـتي أأنـا تـركْــتُـكِ تـذهَـبـيـنَ بكـلِّ صَـمْـتِ؟

هـذا أوانُــك يـا دمـوعي فـاظـهَـري أيْـن اخــتـبَـأتِ؟

فـإذا غَـفَـوْتُ لِـكيْ أراكِ فـربَّـمـا في الحـلْـم جـئْــتِ

في دَمْعـتي في آهَـتي في كــلِّ شَـيْءٍ عـشـتِ أنــتِ

رَجَـعَ الـرَّبـيـعُ وفـيـهِ شوْقٌ لـلحـيـاةِ ومـا رَجَـعـتِ

كوني كنجمِ الصُّبحِ قد صدقَ الـوعودَ وما صدَقْـتِ

أنـا في انـتـظارِكِ كـلَّ يَـوْمٍ هَـهُـنـا في كـلِّ وَقــتِ

ولا عجب بعد هذا الشِّعر العذب الجميل والبَوْح الصَّادق أن يُغير المطربون والملحِّنون

على أشعاره فيقدِّموها ويقدِّموا شعره الوطنيَّ في أغنياتٍ ناجحةٍ و(أوبَّريتاتٍ) سامقةٍ

كأجمل ما يكون التَّقديم، ولا عجب بعد هذا الشِّعر العذب الجميل والبَوْح الصَّادق أن

يؤلَّف كتابٌ عنه بعنوان: (جمَّاع قيثارة النُّبوغ)...

نظر إليَّ صديقي فرآني أتبسَّم، فسألني عن السَّبب، فأجبتُ: ربَّما أكون اكتشفت سبب

اختراع قصَّة المطار الملفَّقة حين بدأ الشاعر تلك القصيدة بقوله:

أعَـلى الجَـمالِ تـغـارُ مِـنَّـا  مـاذا عَـلَـيْـكَ إذا نـظـرنـا؟

هي نـظـرةٌ تُـنسي الــوَقــا رَ وتُسعِدُ الرُّوح المُعنَّى

فقد يكون خاطب هنا ذلك الرَّجلَ الَّذي ظفر بمحبوبته، فأدمى قلبَه بزواجه منها، وبقي هو

يطمع أن يستمرَّ على رؤيتها، ويحرص على هذه الرُّؤية حتى بعد أن تزوَّجت ليستمتع

بالحسن والجمال، ويتذكَّرَ ما كان بينهما من عشقٍ في سالفات الأيَّام، فلكمني صديقي

بقبضة يده لكمةً خفيفةً على صفحة كتفي، ثمَّ قال: أحسنتَ، ها أنت لأوَّل مرَّةٍ تصل

لتحليلٍ صائبٍ دقيقٍ يكشف السِّرَّ الَّذي جعل بعض المتاجرين المسرفين في الخيال

الجامح والوهم يختلقون قصَّة المطار.

محمد عصام علوش

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.