والاعرابي مطية الكذب.. الشاعر الأستاذ محمد عصام علوش

أضف تعليق
(والأعرابيُّ مَطِيَّة الكذبِ أيضًا)
ـ  دأب اللُّغويُّون على وصف (زعَمَ فلانٌ ـ أو يزعم فلانٌ أو زعموا) في بداية
 القِصصِ والأخبارِ والرِّواياتِ والحكاياتِ والأحكامِ بأنَّها (مَطِيَّةُ الكذب، وكُنيَةُ
 الكذب) فالخبر الذي يبدأ بـ (زعَمَ أو زعموا) مشكوكٌ فيه عندهم، لأنَّ الزَّعم
 هو القوْلُ الباطلُ، والزَّعمُ أصله الكذبُ، ولمْ يأتِ في القرآنِ الكريمِ إلَّا في
 محلِّ الذَّمِّ، وربَّما كان جريرٌ من أبرز مَن وُفِّق في تجلية هذا المفهوم شعرًا
 في قوله:  
زعمَ الفرزدقُ أنْ سيقتلُ مَربعًا   أبشِرْ بطولِ سلامةٍ يا مَربعُ
وكذلك أبو أميَّة الحنفيُّ في قوله: 
زعَمَـتـني شيْخًا ولستُ بشيْخٍ     إنَّما الشَّيْخُ مَن يدبُّ دبـيـبـا
ـ  ومِن صيغ التَّمريض والتَّضعيف كذلك صيغة المبنيِّ للمجهول وتسمَّى
 صيغةَ ما لمْ يُسَمَّ فاعله، كقولهم: (رُوِيَ، ويُروَى. وقيلَ، ويُقالُ. وذُكِرَ،
 وَيُذكَرُ. ونُمِيَ إلينا أو نُمِيَ إلى أسماعنا. ونُقِلَ عن فلانٍ، أوْ يُعزَى إلى فلان،
 أوْ حُكِي عنه).
 ـ  ومن صيغ التَّمريض والضَّعف الخبرُ (المُعنعَنُ) أو الحديثُ المُعنعَن الذي
 فيه: فلانٌ عن فلانٍ عن فلانٍ، إذا لم يثبت عن راويهِ أنَّه  كان ثقةً غير مدلِّسٍ
 أو لمْ يثبت أنَّه التقى بمَن رَوَى عنه أوْ سمع منه مباشرة.
 ـ  ويدخل في هذا المضمار قولُهم: رُوِيَ عن رجلٍ من البصرة، أوْ حُكِي عن
 امرأة من دمشق، أوعن عجوزٍ من حمص، أوْ شيخٍ من شيوخ بني فلان؛ لأنَّ
 فيها إحالةً على مبهم. 
وأرى من هذا القبيل ذلك الكمُّ الكبيرُ الهائلُ من القصص المنتشرة في كتب
 الأدب وعلى مواقعِ التَّواصلِ الاجتماعيِّ وفيها خبر عن أعرابيٍّ مجهولٍ
 منكورٍ مغمورٍ ليس معروفًا لأحد تؤخد منه الأخبارُ والأحكام، وتستقى منه
 المواعظ والعبر، وتجري على يديه الكرامات، وتصدق عنده المنامات،
 ويأتيك من يقول إنَّه أحب فعشق فمات، وإذا دقَّقت فيما ورد تجده لم يوافق
 في الشَّرع كلامَ أحد، وأشدُّ ما يغيظ الإنسان أنْ يطلع هذا الأعرابيُّ في
 القصَّة  بعد إذا الفجائيَّة، فيقال: (وإذا بأعرابيِّ يطوف أو يلوف أو يخترق
 الصفوف) وإذا بهذا الأعرابي المتوَهَّم أو المتخيَّل في ذهن القاصِّ ما هو إلَّا
 مطيَّة الكذب لتكتمل أحداث القصة، ويكتمل البناء الفنِّيُّ، ويكتمل التَّشويق
 فيها.
خذ مثلا هذا الأعرابيَّ الَّذي اشتدَّت به الغيرة فنحر فرسه حتى لا يشعر
(السَّائس) بالدِّفءِ في المكان الذي جلست عليه زوجه، فهذا الأعرابي الذي
يظهر عليه أنَّه من الطبقة (الارستقراطيَّة) لأنَّ لديه سائسًا دفعته الغيرة إلى
 أن يقوم بفعل لم يقم به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولا أحدٌ من الصَّحابة
 ممَّن هم أشدُّ غيرةً منه على نسائهم، وماذا يفعل هذا الأعرابي الغيور لو كان
 على أيَّامنا  هذه فجلست حليلته  على مقعد في  حافلةٍ أو طائرةٍ  لساعاتٍ
 طويلة، فلا شكَّ أنه سيقوم بتفجير الحافلة أو الطَّائرةِ  بلا تردُّد بدافع الغيرة
 طبعًا بعد أن تصل هذه الأعرابيَّة الكريمة سالمةً غانمةً معزَّزةً مكرَّمة إلى
 مضارب قومها.    
ولست ضدَّ الأعراب في شيْءٍ ـ يعلم الله ـ ولكنَّ ما كان موثوقًا في النقل،
ووافق الشَّرع والعقلَ، وكان صحيح المتن، سليمَ السَّند أخذنا به، وما خالفه
رميْنا به عرض الحائط أيًّا  كان صاحبه، فانتبهوا مِن مَطايا الكذب هذه يا
رعاكم الله.
محمد عصام علوش

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.