طلب مني أحد الأصدقاء أن أعيد نشر الحلقة التي أدفع فيها تهمة الجبن عن حسَّان بن ثابت رضي الله عنه، وكانت إعادة النشر تعبيرا عن هذه الاستجابة، وفي الحلقة بعض التَّعديل.
(قال لي صديقي)
ـ الحلقة الثانية عشرة ـ
هل كان حَسَّانُ بْنُ ثابتٍ رضي الله عنه شاعرُ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم جَبانًا ؟ للوصول إلى
إجابةٍ سديدةٍ صائبةٍ عن هذا السُّؤال، لا بدَّ لنا من التَّدرُّج وفْقَ الخطوات التَّالية:
أوَّلًا: مَن حسَّان؟ هو حسَّان بن ثابت الخزرجيّ الأنصاريّ، أسلم وهو في السِّتين من عمره،
بمعنى أنَّه عاش في الجاهلية ستِّين عامًا، وعاش في الإسلام ستيِّن عامًا مثلها، ليكون مجموع
عمره مئةً وعشرين عامًا، عَمِي في نهايتها، وقد كان في جاهليته يفد على الغساسنة فيمدحهم
بشعره، وينال جوائزهم وأعطياتهم، كما وفد على المناذرة شأنه شأن النَّابغة الذبيانيِّ في التَّكسُّب
بشعره.
ثانيا: بالرُّجوع إلى شِعْرِ حسَّانَ بْنِ ثابتٍ في الجاهليَّة، ومنذ اتِّصاله بالغَساسِنَةِ بل قَبْلَ اتِّصاله بهم،
كانتِ القِيَمُ التي يفتخر بها ويَمْدَحُ المَمدوحين بها هي القِيَم العربيَّة الأصيلة من شَجاعةٍ ومُروءةٍ
وكرَمٍ ووفاءٍ وحِمايةٍ للجار، ومن يَمدح بالشَّجاعة والأنفة والعزَّة لا ينبغي له أن يكون ـ من حيث
المبدأ ـ جبانًا، وهو القائل:
وإنَّ أشعـرَ بـيـتٍ أنـتَ قـائـلـه بـيـتٌ يُـقـالُ إذا أنشَدتَه صدَقا
ثالثا: هاجى حسَّانُ بْنُ ثابت في الجاهلية قَيْسَ بْنَ الخَطيم شاعرَ الأوس في نقائضَ مشهورةٍ معروفةٍ
وقد أقْذَعَ كُلٌّ منهما في الهجاء لصاحبه، ولم يُؤثَرْ عن قيْس بْنِ الخَطيم أنَّه عَيَّرَ حسَّانَ بن ثابت
بالجُبْنِ أو الخَوَر أو الهُروب من المعارك، وحسَّان هو القائل في إحدى نقائضه ومهاجاته لقيس :
لَعَمْرُو أبيكِ الخيرِ يا شَعثُ ما نبا عليَّ لـسـاني في الحـروب ولا يـدي
لساني وسيْـفي صارمـان كلاهما ويـبـلغُ ما لا يـبـلغ الـسَّـيْـفُ مِذودي
فلا تعجلـنْ يا قـيْسُ واربَع فإنَّـما قـصــاراك أنْ تُــلـقى بـكـلِّ مُهــنَّـد...
ويروى أنَّه كان يصبغ شاربه وعنفقته بالحِنَّاء ليبدو كالأسد الوالغ بالدَّم.
رابعا: في الإسلام صار حسَّان بْنُ ثابت شاعرَ الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان أثيرًا عنده
مقرَّبًا منه حتى إنَّه أهداه إحدى الجاريتيْن اللَّتيْن أهداهما إليه المقوقس حاكم مصر، وهي سيرين
أخت مارية القبطيَّة التي ولدت له عبد الرَّحمن بن حسَّان، وقد خاضَ هذا الصَّحابيُّ في الإسلام
أشرسَ معركةٍ إعْلاميَّةٍ ضِدَّ شُعراءِ المُشْركين من أمثالِ عبد الله بْنِ الزِّبَعْرى، والنَّضْرِ بْنِ
الحارث، وهُبَيْرَةَ بْنِ أبي وهب، وأبي سفيان بن الحارث قبل أن يسلم... ولو كان حَسَّان بن ثابت
رضي الله عنه جبانًا لاسْتَغَلَّ هؤلاءِ الشُّعراءُ هذه الصِّفةَ الرَّديئةَ فيه، واستهزؤوا به وفضحوه
وفضحوا المسلمين بها.
خامسًا: لو كان حَسَّان بْنُ ثابت جبانًا لما انْتدَبَهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحَمْلِ رايةِ الدِّفاع عن
الإسْلام ولاخْتارَ غَيْرَهُ من شعراء المسلمين كعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك في الإنشاد
أمام وفود القبائل ومُفاخَرَتِها، لأنَّ المفاخرة وقتئذٍ كانت تتطلَّب الفخر بشجاعة الجَنان وشَجاعةَ
اللِّسان وشَجاعة الطَّعْنِ بالسِّنان، وربَّما كان من المستحسن أن أستشهد هنا بما جابَه به حسَّانُ رضي
الله عنه شاعرَ وفد تميمٍ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نـصــرنـا رسـولَ اللهِ والـــدِّيــنَ عـنــوةً على رغم عاتٍ من معـدٍّ وحاضرِ
بـضربٍ كـإبــزاغِ الـمـخـاضِ مُـشـاشُـهُ وطعـنٍ كـأفـواهِ الـلِّـقـاح الـصَّوادرِ
وسَــلْ أحُــدًا يــوْمَ اسـتـقــلَّـت شِــعـابُـهُ بضربٍ لنا مثل الـلُّـيـوثِ الخـوادِرِ
ألسنا نخوض الـمـوْتَ في حومة الوغى إذا طاب وِرْدُ الـموتِ بين العساكرِ؟
ونـضرب هــامَ الــدَّارِعــيـنَ ونـنـتـمـي إلى نـسَبٍ من جِـذْمِ غـسَّـانَ قـاهـرِ...
وفي بقيَّة المفاخرة في المجلس نفسه نقرأ هذا الشِّعر في الرَّد أيضًا على شاعر تميم حين قال:
بـني دارمٍ لا تـفـخـروا إنَّ فـخــرَكُـمْ يـعـود وبــالًا عــنـد ذِكْـر المَكارمِ
هـبَـلـتـم عـلـيْـنـا تـفــخـرون وأنـتــمُ لـنا خـوَلٌ من بـيْـن ظِـئْـرٍ وخـادمِ
فهل كان حسَّان يدَّعي هذا ادِّعاءً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ورسول الله صلى الله عليه
وسلَّم يسكت عنه ويُقِرُّه، ثمَّ انظر إلى هذا التَّطاول من حسَّان رضي الله عنه وكيف أنه بشجاعة
جنانه ولسانه أفحم شاعر تميم، فلم يملك ردًّا عليه، ولو كان يعلم الجبن فيه، لما سكت عن هذه
الإهانة.
سادسا: كيف لشاعر يؤيده جبريل روح القدس أن يكون جبانًا، ونحن نعلم أنَّ رباطة اللِّسان تقتضي
رباطة الجنان كما ذكرت، ولا يمكن لهذه التُّهمة أن تستقيم مع العقل والمنطق مع هذا التَّأييد الذي
لقيه حسَّان من رسول السَّماء، وبعدما ورد من الأحاديث الصَّحيحة في مؤازرة الرَّسول صلَّى الله
عليه وسلَّم له والوقوف إلى جانبه ودعمه في هذه المعركة الشرسة ضدَّ الكفر والكافرين، فقد قال له
عليه الصَّلاة والسَّلام: "اهجُهُمْ فوَالَّذي نفسي بيده إنَّه لأشدُّ عليهم من وَقع النَّبْل" وصحَّ عنه أنَّه قال:
"اللهمَّ أيِّده بروحِ القدس"، وصحَّ عنه أنَّه قال لحسَّان أيضًا: " اهجُهُم أو قالَ هاجِهِمْ وجبريلُ
معك". فلو كان حسَّان جبانًا حقًّا لما كان لهذا الدُّعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيمة؟
وإلَّا فمعنى المؤازرة التي لقيها من جبريل عليه السَّلام ومن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا كان
جبانًا وسيبقى جبانًا.
سابعًا: بالرُّجوع إلى أهْلِ الحديث تبيَّنَ أنَّ ما رُوِيَ عن تخلُّف حسَّان بن ثابت رضي الله عنه عن
الغزوات والمعارك مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لجبنه غير صحيح، فما كان للرَّجل حينئذٍ
أنْ يَتَخلَّفَ على هواهُ، بل كان ذلك ـ إنْ حدث ـ بإذنٍ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لعلَّةٍ
أصابته، وإلَّا كان القرآن الكريم فضحه كما فضح الأعراب الَّذين تخلَّفوا عن رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم، وكانوا يتعلَّلون بالمعاذير الكاذبة، وقِصَّةُ الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا مَشهورةٌ معروفةٌ ورَدَ فيها
من الله عزَّ وجلَّ بَيانٌ، ولم يذكر أحد من السَّلف تخلُّف حسَّان عن المعارك الفاصلة بين المسلمين
والمشركين كبدرٍ وأُحُدٍ وحُنيْن.
ثامنا: وبالرُّجوع إلى أهْلِ الحديث أيضًا تبيَّنَ أنَّ ما أشيع عن تَخَلُّف حسَّان بن ثابت رضي الله عنه
يوم الأحزاب وجلوسِهِ مع النِّساء لم يَصِحَّ سَنَدًا ولامَتْنًا لأنَّه لم يَحْدُث التحامٌ بين المسلمين
والمُشْركين في هذه الغزوة إلَّا على نطاقٍ ضيِّق عندما حاول المشركون اقتحام الخندق فتصدَّى لهم
عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في نفرٍ من المسلمين بسرعةٍ خاطفةٍ، وما عدا هذا فقد اقْتَصَرَ
الموقف على التَّرامي بالسِّهام، وقد أصِيبَ سَعْد بْنُ مُعاذٍ رضي الله عنه فيها بسَهْم.
تاسعا: إنَّ النَّاظرٍ في شِعْرِ حسَّان المُواكِبِ للغزوات يُدْرِكُ حُضوره فيها أو في جلِّها، ومُواكبَتَه
لها، وإلَّا فكيف يكون غائبًا عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ الحُدَيْبيةِ مثلًا وهو القائل :
عَـدِمْـنـا خَـيْـلَـنـا إنْ لـمْ تَرَوْها تُـثـيـرُ الـنَّقْعَ مَـوْعِـدُها كـداءُ
يُـبـاريـنَ الأعِـنَّـةَ مُـصْعِــداتٍ على أكْـتـافِهـا الأسَـلُ الظِّماءُ
تَـظـلُّ جــيــادُنــا مُــتَمَـطِّراتٍ تُـلَطِّـمُـهـنَّ بـالخُـمُـر الـنِّساءُ
فإمَّا تُعْـرِضوا عـنَّا اعْـتَـمَـرْنا وكانَ الفَـتْحُ وانْكشَفَ الغِطاءُ
وإلَّا فـاصْـبِـروا لجِـلادِ يَـوْ مٍ يُـعــزُّ الله فــيـهِ مَــنْ يَــشـاءُ
لاحظ قوله: (فإمَّا تُعرِضوا عنَّا اعتمرنا) فهل يُعقل أنَّه كان جالسًا مع النِّساء عندما قال هذا القول؟
وفي الأبيات ما فيها من وصف ما حدث ومن تَحَدِّي المُشْرِكينَ والاعتزاز بدين الإسلام الحَقِّ.
وهو القائل أيضًا:
وإنِّي إذا ما قـلــتُ قـوْلًا فـعـلـتُـهُ وأُعرِضُ عمَّا ليْسَ قلبي بفاعلِ
عاشرا: وختامًا فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم صنع من الصَّحابة جيلًا متفرِّدًا متَّسمًا بمكارم
الأخلاق، وحميد الصِّفات، ولم يكن حسَّان رضي الله عنه استثناءً في هذا، وإنَّ مَدارَ هذه التُّهمة
إن سلَّمنا ببعض الرِّوايات المنقطعة الإسناد، إنَّما هو عندما قاربَ السَّبْعينَ من عمره، أو حتَّى
الثَّمانين، و قد أصابه المرض في جسمه، ولن ننتظرَ منه في هذه الحالة أن يشارك في المعارك،
أو أن يقاتل مقاتلة الشَّباب وأن يتحدَّى الصِّعاب.
سألت صديقي: ألا يوجد من العلماء من أنكر هذه التُّهمة عن حسان؟ فقال: بلى أنكرها علماءُ أجلَّاءُ
منهم ابن عبد البَرِّ في أسماء الأصحاب بهامش الإصابة (1/340) كما أنكرها الإمام السُّهيْلي شارح
كتاب السيرة النَّبَويَّة لا بن هشام، حيث قال في كتابه (الرَّوْض الأنف) عن حديث صفيَّة بنت عبد
المطلب رضي الله عنها: "إنه منقطع الإسناد، وإنه لو صحَّ هذا لهُجي به حسَّان، فإنَّه كان يهاجي
الشُّعراء... وكانوا يناقضونه ويردُّون عليه، فما عيَّره أحدٌ بجبنٍ، ولا وَسَمَه به..."
محمد عصام علوش
(قال لي صديقي)
ـ الحلقة الثانية عشرة ـ
هل كان حَسَّانُ بْنُ ثابتٍ رضي الله عنه شاعرُ الرَّسُول صلَّى الله عليه وسلَّم جَبانًا ؟ للوصول إلى
إجابةٍ سديدةٍ صائبةٍ عن هذا السُّؤال، لا بدَّ لنا من التَّدرُّج وفْقَ الخطوات التَّالية:
أوَّلًا: مَن حسَّان؟ هو حسَّان بن ثابت الخزرجيّ الأنصاريّ، أسلم وهو في السِّتين من عمره،
بمعنى أنَّه عاش في الجاهلية ستِّين عامًا، وعاش في الإسلام ستيِّن عامًا مثلها، ليكون مجموع
عمره مئةً وعشرين عامًا، عَمِي في نهايتها، وقد كان في جاهليته يفد على الغساسنة فيمدحهم
بشعره، وينال جوائزهم وأعطياتهم، كما وفد على المناذرة شأنه شأن النَّابغة الذبيانيِّ في التَّكسُّب
بشعره.
ثانيا: بالرُّجوع إلى شِعْرِ حسَّانَ بْنِ ثابتٍ في الجاهليَّة، ومنذ اتِّصاله بالغَساسِنَةِ بل قَبْلَ اتِّصاله بهم،
كانتِ القِيَمُ التي يفتخر بها ويَمْدَحُ المَمدوحين بها هي القِيَم العربيَّة الأصيلة من شَجاعةٍ ومُروءةٍ
وكرَمٍ ووفاءٍ وحِمايةٍ للجار، ومن يَمدح بالشَّجاعة والأنفة والعزَّة لا ينبغي له أن يكون ـ من حيث
المبدأ ـ جبانًا، وهو القائل:
وإنَّ أشعـرَ بـيـتٍ أنـتَ قـائـلـه بـيـتٌ يُـقـالُ إذا أنشَدتَه صدَقا
ثالثا: هاجى حسَّانُ بْنُ ثابت في الجاهلية قَيْسَ بْنَ الخَطيم شاعرَ الأوس في نقائضَ مشهورةٍ معروفةٍ
وقد أقْذَعَ كُلٌّ منهما في الهجاء لصاحبه، ولم يُؤثَرْ عن قيْس بْنِ الخَطيم أنَّه عَيَّرَ حسَّانَ بن ثابت
بالجُبْنِ أو الخَوَر أو الهُروب من المعارك، وحسَّان هو القائل في إحدى نقائضه ومهاجاته لقيس :
لَعَمْرُو أبيكِ الخيرِ يا شَعثُ ما نبا عليَّ لـسـاني في الحـروب ولا يـدي
لساني وسيْـفي صارمـان كلاهما ويـبـلغُ ما لا يـبـلغ الـسَّـيْـفُ مِذودي
فلا تعجلـنْ يا قـيْسُ واربَع فإنَّـما قـصــاراك أنْ تُــلـقى بـكـلِّ مُهــنَّـد...
ويروى أنَّه كان يصبغ شاربه وعنفقته بالحِنَّاء ليبدو كالأسد الوالغ بالدَّم.
رابعا: في الإسلام صار حسَّان بْنُ ثابت شاعرَ الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان أثيرًا عنده
مقرَّبًا منه حتى إنَّه أهداه إحدى الجاريتيْن اللَّتيْن أهداهما إليه المقوقس حاكم مصر، وهي سيرين
أخت مارية القبطيَّة التي ولدت له عبد الرَّحمن بن حسَّان، وقد خاضَ هذا الصَّحابيُّ في الإسلام
أشرسَ معركةٍ إعْلاميَّةٍ ضِدَّ شُعراءِ المُشْركين من أمثالِ عبد الله بْنِ الزِّبَعْرى، والنَّضْرِ بْنِ
الحارث، وهُبَيْرَةَ بْنِ أبي وهب، وأبي سفيان بن الحارث قبل أن يسلم... ولو كان حَسَّان بن ثابت
رضي الله عنه جبانًا لاسْتَغَلَّ هؤلاءِ الشُّعراءُ هذه الصِّفةَ الرَّديئةَ فيه، واستهزؤوا به وفضحوه
وفضحوا المسلمين بها.
خامسًا: لو كان حَسَّان بْنُ ثابت جبانًا لما انْتدَبَهُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لحَمْلِ رايةِ الدِّفاع عن
الإسْلام ولاخْتارَ غَيْرَهُ من شعراء المسلمين كعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك في الإنشاد
أمام وفود القبائل ومُفاخَرَتِها، لأنَّ المفاخرة وقتئذٍ كانت تتطلَّب الفخر بشجاعة الجَنان وشَجاعةَ
اللِّسان وشَجاعة الطَّعْنِ بالسِّنان، وربَّما كان من المستحسن أن أستشهد هنا بما جابَه به حسَّانُ رضي
الله عنه شاعرَ وفد تميمٍ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نـصــرنـا رسـولَ اللهِ والـــدِّيــنَ عـنــوةً على رغم عاتٍ من معـدٍّ وحاضرِ
بـضربٍ كـإبــزاغِ الـمـخـاضِ مُـشـاشُـهُ وطعـنٍ كـأفـواهِ الـلِّـقـاح الـصَّوادرِ
وسَــلْ أحُــدًا يــوْمَ اسـتـقــلَّـت شِــعـابُـهُ بضربٍ لنا مثل الـلُّـيـوثِ الخـوادِرِ
ألسنا نخوض الـمـوْتَ في حومة الوغى إذا طاب وِرْدُ الـموتِ بين العساكرِ؟
ونـضرب هــامَ الــدَّارِعــيـنَ ونـنـتـمـي إلى نـسَبٍ من جِـذْمِ غـسَّـانَ قـاهـرِ...
وفي بقيَّة المفاخرة في المجلس نفسه نقرأ هذا الشِّعر في الرَّد أيضًا على شاعر تميم حين قال:
بـني دارمٍ لا تـفـخـروا إنَّ فـخــرَكُـمْ يـعـود وبــالًا عــنـد ذِكْـر المَكارمِ
هـبَـلـتـم عـلـيْـنـا تـفــخـرون وأنـتــمُ لـنا خـوَلٌ من بـيْـن ظِـئْـرٍ وخـادمِ
فهل كان حسَّان يدَّعي هذا ادِّعاءً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ورسول الله صلى الله عليه
وسلَّم يسكت عنه ويُقِرُّه، ثمَّ انظر إلى هذا التَّطاول من حسَّان رضي الله عنه وكيف أنه بشجاعة
جنانه ولسانه أفحم شاعر تميم، فلم يملك ردًّا عليه، ولو كان يعلم الجبن فيه، لما سكت عن هذه
الإهانة.
سادسا: كيف لشاعر يؤيده جبريل روح القدس أن يكون جبانًا، ونحن نعلم أنَّ رباطة اللِّسان تقتضي
رباطة الجنان كما ذكرت، ولا يمكن لهذه التُّهمة أن تستقيم مع العقل والمنطق مع هذا التَّأييد الذي
لقيه حسَّان من رسول السَّماء، وبعدما ورد من الأحاديث الصَّحيحة في مؤازرة الرَّسول صلَّى الله
عليه وسلَّم له والوقوف إلى جانبه ودعمه في هذه المعركة الشرسة ضدَّ الكفر والكافرين، فقد قال له
عليه الصَّلاة والسَّلام: "اهجُهُمْ فوَالَّذي نفسي بيده إنَّه لأشدُّ عليهم من وَقع النَّبْل" وصحَّ عنه أنَّه قال:
"اللهمَّ أيِّده بروحِ القدس"، وصحَّ عنه أنَّه قال لحسَّان أيضًا: " اهجُهُم أو قالَ هاجِهِمْ وجبريلُ
معك". فلو كان حسَّان جبانًا حقًّا لما كان لهذا الدُّعاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم من قيمة؟
وإلَّا فمعنى المؤازرة التي لقيها من جبريل عليه السَّلام ومن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا كان
جبانًا وسيبقى جبانًا.
سابعًا: بالرُّجوع إلى أهْلِ الحديث تبيَّنَ أنَّ ما رُوِيَ عن تخلُّف حسَّان بن ثابت رضي الله عنه عن
الغزوات والمعارك مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لجبنه غير صحيح، فما كان للرَّجل حينئذٍ
أنْ يَتَخلَّفَ على هواهُ، بل كان ذلك ـ إنْ حدث ـ بإذنٍ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لعلَّةٍ
أصابته، وإلَّا كان القرآن الكريم فضحه كما فضح الأعراب الَّذين تخلَّفوا عن رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم، وكانوا يتعلَّلون بالمعاذير الكاذبة، وقِصَّةُ الثَّلاثة الَّذين خُلِّفوا مَشهورةٌ معروفةٌ ورَدَ فيها
من الله عزَّ وجلَّ بَيانٌ، ولم يذكر أحد من السَّلف تخلُّف حسَّان عن المعارك الفاصلة بين المسلمين
والمشركين كبدرٍ وأُحُدٍ وحُنيْن.
ثامنا: وبالرُّجوع إلى أهْلِ الحديث أيضًا تبيَّنَ أنَّ ما أشيع عن تَخَلُّف حسَّان بن ثابت رضي الله عنه
يوم الأحزاب وجلوسِهِ مع النِّساء لم يَصِحَّ سَنَدًا ولامَتْنًا لأنَّه لم يَحْدُث التحامٌ بين المسلمين
والمُشْركين في هذه الغزوة إلَّا على نطاقٍ ضيِّق عندما حاول المشركون اقتحام الخندق فتصدَّى لهم
عليُّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه في نفرٍ من المسلمين بسرعةٍ خاطفةٍ، وما عدا هذا فقد اقْتَصَرَ
الموقف على التَّرامي بالسِّهام، وقد أصِيبَ سَعْد بْنُ مُعاذٍ رضي الله عنه فيها بسَهْم.
تاسعا: إنَّ النَّاظرٍ في شِعْرِ حسَّان المُواكِبِ للغزوات يُدْرِكُ حُضوره فيها أو في جلِّها، ومُواكبَتَه
لها، وإلَّا فكيف يكون غائبًا عن رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في غزوةِ الحُدَيْبيةِ مثلًا وهو القائل :
عَـدِمْـنـا خَـيْـلَـنـا إنْ لـمْ تَرَوْها تُـثـيـرُ الـنَّقْعَ مَـوْعِـدُها كـداءُ
يُـبـاريـنَ الأعِـنَّـةَ مُـصْعِــداتٍ على أكْـتـافِهـا الأسَـلُ الظِّماءُ
تَـظـلُّ جــيــادُنــا مُــتَمَـطِّراتٍ تُـلَطِّـمُـهـنَّ بـالخُـمُـر الـنِّساءُ
فإمَّا تُعْـرِضوا عـنَّا اعْـتَـمَـرْنا وكانَ الفَـتْحُ وانْكشَفَ الغِطاءُ
وإلَّا فـاصْـبِـروا لجِـلادِ يَـوْ مٍ يُـعــزُّ الله فــيـهِ مَــنْ يَــشـاءُ
لاحظ قوله: (فإمَّا تُعرِضوا عنَّا اعتمرنا) فهل يُعقل أنَّه كان جالسًا مع النِّساء عندما قال هذا القول؟
وفي الأبيات ما فيها من وصف ما حدث ومن تَحَدِّي المُشْرِكينَ والاعتزاز بدين الإسلام الحَقِّ.
وهو القائل أيضًا:
وإنِّي إذا ما قـلــتُ قـوْلًا فـعـلـتُـهُ وأُعرِضُ عمَّا ليْسَ قلبي بفاعلِ
عاشرا: وختامًا فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم صنع من الصَّحابة جيلًا متفرِّدًا متَّسمًا بمكارم
الأخلاق، وحميد الصِّفات، ولم يكن حسَّان رضي الله عنه استثناءً في هذا، وإنَّ مَدارَ هذه التُّهمة
إن سلَّمنا ببعض الرِّوايات المنقطعة الإسناد، إنَّما هو عندما قاربَ السَّبْعينَ من عمره، أو حتَّى
الثَّمانين، و قد أصابه المرض في جسمه، ولن ننتظرَ منه في هذه الحالة أن يشارك في المعارك،
أو أن يقاتل مقاتلة الشَّباب وأن يتحدَّى الصِّعاب.
سألت صديقي: ألا يوجد من العلماء من أنكر هذه التُّهمة عن حسان؟ فقال: بلى أنكرها علماءُ أجلَّاءُ
منهم ابن عبد البَرِّ في أسماء الأصحاب بهامش الإصابة (1/340) كما أنكرها الإمام السُّهيْلي شارح
كتاب السيرة النَّبَويَّة لا بن هشام، حيث قال في كتابه (الرَّوْض الأنف) عن حديث صفيَّة بنت عبد
المطلب رضي الله عنها: "إنه منقطع الإسناد، وإنه لو صحَّ هذا لهُجي به حسَّان، فإنَّه كان يهاجي
الشُّعراء... وكانوا يناقضونه ويردُّون عليه، فما عيَّره أحدٌ بجبنٍ، ولا وَسَمَه به..."
محمد عصام علوش

0 التعليقات:
إرسال تعليق