بلاغة التكرار.. الشاعر الأستاذ عبد القادر دروبي

أضف تعليق
(بلاغة التكرار)

لاشك أن صوراً كثيرة في الطبيعة من حولنا تدور ضمن فلك  من التكرار  لايشعر الإنسان برتابتها أو الضجر منها. فبتتابع الفصول تتكرر الصور ذاتها للطبيعة.وبتوالي أيام الشهر تتكرر أوجه صور القمر وبتوالي ساعات اليوم تتكرر صور الصباح والهاجرة والأصيل والغروب والليل...وكلّ ذلك لايشعرك بالملل منه. بل قد يجعلك ترى فيه صورةً من التجدّد تعيد إليك صفاءَك النفسي والذهني ...هي فلسفة عبر عنها قديما الشاعر أبو تمّام بقوله:

فإنّي رأيتُ الشمسَ زِيدَتْ محبّةً
على الناس أَنْ ليستْ عليهمْ بسرمدِ

--ومن الطَّروب المطرب في فنّ الكلام هو تكرار اللفظ أو العبارة...لاذلك التكرار العقيم الباهت الذي يعرقل جمالية النص..إنّما ذلك التكرار الذي يؤدي أولاً وظيفة  بلاغية تأثيرية.ثمّ وظيفة جمالية تجعل هذا التكرار منبعا موسيقيا يظهر في أفوافٍ من الجمال تُطرب أذن المتلقّي.

--وتكرار اللفظ الأول عادة ما يُوظّفه المتكلّم عامةً والشاعر خاصةً للتأكيد عليه وإقناع المتلقي به ودفع الشك عن ذهنه من منطلق أنّ الشيء(إذا تكرّر تقرّر).

--ولأن القرآن الكريم لايأتيه الباطل من أمامه ولامن خلفه فإن التكرار فيه ماكان ليأتي إلا لأداء وظيفة فاقت حدّ التأكيد على المعنى....هو تكرار  هدفه الإرشاد والإصلاح والتوجيه حينا والترهيب أو الترغيب حينا آخر.سواءما يتعلق بتكرار اللفظ.أو بتكرار التراكيب بعيدا عن التكرار القصصي.الذي حاول بعض المستشرقين.بل ومن الدارسين العرب إيهامنا بأنه نقطة ضعف.مقدمين براهين واهية ممجوجة لاتنم إلا عن ذائقةٍسمجةٍ أولا.أوعلى رغبتهم في التعتيم على صورةٍ من صور الحقّ الذي جاء به هذا الكتاب العظيم الذي تعهّد الله بحفظه.والذي شهد لقدسيتة بلاغته القاصي والداني.

--ولن أقف إلا عند شاهد واحد فقط للتكرار .وهو كاف لإبراز عظمته لِمَِايتضمنه من أبعاد بلاغية ثرّةٍ بالناحيتين التأثيرية والجمالية وهو قوله تعالى(فبأي آلاء ربِّكما تكذّبان)في واحدٍ وثلاثين.. موقعاًفي سورة الرحمن.إذ أنك كلما قرأتها كشفَتْ لك عن خفايا هي غاية في الجمال والثأثير والتأكيد والإقناع والإمتاع والتحدي والنصح والترهيب والترغيب وربط اللاحق بالسابق من معانيها ورد عجز الكلام إلى صدره.وإيقاد حقيقة ألّا منعم إلاالله في ذهن المتلقي...إنّها توجّهٌ خطابي من الله إلى الثنائية المكلّفة بعبادته من الجنّ والإنس..ليجعلها تشعر بالضعف والانكسار والندم من جهة.ولتهيئة النفس للطاعة الواجبة من جهة أخرى....هي ذات الانفعالات التي تراود الولد العاق لأمّه حين تقول له:ألمْ أحملك وهناً على وهن.أفتنكر هذا?!ألم أرضعك وأطعمك.أفتنكر هذا?!ألم أعلّمْك وأهذّبك وأرشدك.فكيف تنكر هذا كلَّه?!!!!.

عبد القادر دروبي.
عبد القادر دروبي

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.