وظيفة النقد وتكامل مدارسه. .. أ. فائق موسى

أضف تعليق


وَظيفةُ النَّقد وتكامُلُ مدارسِه
      يتَّفِقُ معظمُ الدَّارسينَ على أنَّ وظيفةَ النَّقدِ هيَ وظيفةٌ جماليَّةٌ بالدَّرجةِ الأُولى, لذلكَ اهتمَّ الكثيرونَ منَ النُّقَّادِ بدراسةِ علمِ الجَمالِ, باعتبارِه فلسفةً نقديَّةً ذاتَ أبعادٍ نفسيَّةٍ وعلميَّةٍ في آنٍ واحدٍ. والنَّقدُ سلاحٌ ذُو حدِّين, شَأنُه في ذلكَ شأنُ الكثيرِ مِنْ الأُمور الماديَّة وَالمَعنويَّة في حياتِنا, فمن جانبٍ إيجابيِّ نَجدُ أنَّ النقدَ يُساهمُ في تطوِّرِ الأدبِ بِشكلٍ ملحوظٍ, كَما يُساعدُ على تنميَّةِ الذَّوقِ الجَماليِّ لَدى المُتلقِّي أوِ القارئِ, وذلكَ بمُساعدتِه على فهمِ الأدبِ بمكوِّناتِه المُختلفةِ, والتَّمييزِ بينَ الأجناسِ الأدبيَّةِ, وكشفِ الغموضِ في النُّصوصِ, وتنميَّةِ الحسِّ الجمَاليِّ والتَّذوُّقِ بصُورةٍ أكثرَ وُضُوحاً, لأنَّ سَويَّة المُتلقِّين لِلأدبِ لَيستْ وَاحدةً, فهُناكَ منْ يَمتلكُ ذائقةً أدبيَّةَ عاليةً إضافةً إلى ثقافةِ أدبيَّةٍ رفيعةٍ, فيستطيعُ بِسُهولةِ أنْ يغوصَ في أعماقِ النَّصِّ الأدبيِّ ويكتشفُ عناصرَ الجمالِ فيهِ, وهناكَ الأكثريَّةُ منَ المُتلقِّينَ الَّذينَ يَفتَقِدونَ تلكَ القُدراتِ, لأسبابٍ عديدةٍ, مِنها ما هوَ ذاتيٌّ ومِنها ما هوَ موضوعيٌّ, وهَكذا فإنَّ النَّاقدَ يساعدُ ذوي الثَّقافِة الأقلَّ على الارْتقاءِ إلى مُستوى النَّصِّ وفهمِه بعمقٍ وإحساسٍ كبيرَينِ , كَما يكشفُ النَّاقدُ خطوطَ الإبداعِ الأدبيِّ ويضعُ النُّقاطَ على الحُروفِ لمَنْ لا يستطيعُ الدُّخولَ إلى عَالمِ الأدبِ والأديبِ بشكلٍ واعٍ, فالأدبُ صِناعةٌ لها أصولُها وقواعدُها , وفيها المُبتدئُ والمحترفُ, المتطفِّلُ والمتمكِّنُ, ومَهمةُ النَّقدِ كشفَ ذلكَ, وأمَّا الجانبُ السَّلبيُّ في النَّقدِ فهوَ يَظهرُ عندَما يتطفَّلُ بعضُ الدَّارسين على قضيةِ النَّقد, وتحكمُهم الأهواءُ الشَّخصيَّة أوْ قلةُ الخبرةِ أو دوافعُ مختلفةٌ لا تَمُتُّ إلى الموضوعيَّة بِصِلةٍ, فيكونُ دورُهم تخريبياً في تحطيمِ المُبدعين منْ جهةٍ أو تشويشِ الذَّوق العامِّ وتضليلِ القرَّاء بِقَصدٍ أو بِغيرِ قَصدٍ .  غيرَ أنَّ النَّقدّ الأدبيَّ شأنُه شأنُ الأدبِ لا يخضعُ لمعاييرَ ثابتةٍ على مَدى التَّاريخِ والعصورِ, فَلكلِّ عصرٍ معاييرُهُ وقواعدُهُ , ويختلفُ باختلافِ مَعاييرِ الذَّوقِ الفنيِّ, الَّتي تتبدَّلُ بتبدُّلِ الزَّمانِ وَالمكانِ, منْ طبيعةٍ ومعيشةٍ, وحياةٍ اجتماعيَّةٍ واقتصاديَّةٍ وسياسيَّةٍ, لذلكَ نشأَ صراعٌ بينَ الأشكالِ الأدبيَّةِ والنَّقديَّةِ, وهذا الصِّراعُ ليسَ عيباً , بلْ هوَ عاملٌ إيجابيٌّ في الحياةِ الأدبيَّة يُنمِّي الذَّوقَ الأدبيَّ ويطوِّرُه, فليسَ هناكَ منهجٌ نقديٌّ ثابتٌ وتامٌّ , إنِّما هُناكَ مناهجُ مختلفةٌ تتفاعلُ وتتكاملُ, كَما تتفاعلُ وتتكاملُ المدارسُ الأدبيَّة, وَهذا التَّفاعلُ يتجاوزُ الحدودَ الزَّمانيَّةَ والمكانيَّةَ, لذلكَ نجدُ التَّفاعلَ بينَ المدارسِ النَّقديَّةِ الأوربيَّةِ وبينَ المناهجِ النَّقديَّة الَّتي وَرِثناها عنِ النُّقَّادِ العربِ القُدماءِ. إنَّ منَ الغلطِ الفادحِ تقسيمُ المدارسِ النَّقديَّة إلى مدارسَ غربيَّةٍ ومدارسَ شرقيَّةٍ, فالفصلُ بينَ الحركاتِ النَّقديَّةِ هوَ شيءٌ مِنَ التَّجنِّي على النَّقدِ, إذ إنَّ الحركةَ النَّقديَّة هيَ جزءٌ منَ الحياةِ العامَّةِ, وهذهِ الحياةُ تتأثَّرُ وَتؤثِّرُ, والنَّقدُ مرتبطٌ ارتباطاً عضوياً بتطوَّرِ الحياةِ الاجتِماعيَّةِ الَّتي تُفرزُ أدباً يُلائِمُ كلَّ مَرحلةٍ منْ مَراحلِ الحياةِ. إذْ لا يُمكنُ قبولُ أدبٍ يتحدَّثُ عنِ الصَّحراءِ والرَّاحلةِ في عصرِ الفَضاءِ والسُّرعةِ والاتِّصالاتِ, كَما يُؤخَذُ على مَحمِلِ النَّقدِ وجودُ أَدبٍ مُغرِقٍ في الذِّاتِ الفرديَّةِ كالمَديحِ والفَخرِ ونحنُ في عصرِ التَّجمُّعاتِ والتَّكامُلِ الإِنسانيِّ والتَّواصُلِ بينَ المجتمعاتِ, وانحسارِ القيمِ الفرديَّةِ لتحلَّ محلَّها القيمُ الجماعيَّةُ , وصراعُ الطَّبقاتِ , ونهوضُ الشُّعوبِ ضدَ الامبرياليَّةِ والصُّهيونيَّةِ والمُستغلِّينَ, وَهكذا يكونُ النَّقدُ جُزءاً منْ هذا الصِّراعِ, وهكذا نجدُ التَّكامُلَ بينَ المناهجِ النَّقديَّةِ للوُصُول إلى نقدٍ أدبيٍّ حَديثٍ...

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.