حضن الأب

أضف تعليق
الأديبة : افتخار بايزيد

الأب هو رداء ومعطف الأبناء ومساحة لاتقدر بكل الأثمان :
الزوج : ألو .. أنا في الطريق هل تحتاجين أي شئ أشتريه وأنا قادم؟ ..
الزوجة :لا .. لا شئ ..
الزوج : تمام .. مسافة الطريق وأكون في البيت جهزي الغداء لأني جائع
الزوجة : حاضر
تركت هاتفها ونسيت أن تغلقه ، وقبل أن يقفل الزوج هاتفه سمع زوجته وابنه سمير يتحدثون....
سمير : هل سأل بابا عني ؟ ..
الأم : أكيد يا حبيبي .. هو يحبك كثيراً ..
سمير: انا متأكد هو لم يسأل عني ،  لو كان يحبني كما تقولين لعلمني كيف ألعب بلعبة الشطرنج رغم إلحاحي عليه ..وكان الأب لا يزال يضع الهاتف على أذنه ويسمع ثم أوقف السياره لكي يستمع بوضوح إلى حديثهم ..سمع سمير يكمل حديثه و يقول لأمه ..
هل تذكرين الشطرنج الذي حصلت عليه كهدية لنجاحي السنه الماضية ..تمنيت أن يعلمني أبي ، علمني خطوتين منها ثم جاءه اتصال فتركني وذهب وكلما طلبت منه تعليمي يكون مشغولاً ويقول لي مرةً أخرى .
هل تعرفين من علمني الشطرنج؟..
والد صديقي أحمد ، عندما سمعني أتوسل لأبنه احمد أن يعلمني قال لي تعال لأعلمك..
.الأم : اخفض صوتك لأن أباك على وشك الوصول ..كل هذا والأب يستمع إلى الحديث من الهاتف ..
قال سمير : هل أصارحك بشيء ياأمي .. عندما أذهب إلى بيت أحمد صديقي ويعود أباه من العمل...يستأذن أحمد مني ليفتح الباب لأبيه ويسلم عليه بحرارة ويسأله وهو يفتح يداه للآخر أين حضن أحمد؟ فيقول له ابنه هنا ويرمي بنفسه في حضن أبيه ، وبعدها نعود ونكمل اللعب ، لست أدري لماذا لايفعل بابا معي نفس الشيء ؟.. تلك الكلمة هزته كثيراً وفتحت سيول دموعه وهو لايزال جالساً في سيارته  ..
أم سمير حضنت ولدها بقوة وقالت له ..ألم أحضنك أنا ياحبيبي كل يوم عند عودتك من المدرسة !..قال لها صحيح ياأمي لكنني متشوق أيضاً لحضن أبي ..
قالت له .. يا سمير أبوك يعود من عمله وقد أنهكه التعب
قال لها .. أعرف ويحمل معه دائما احتياجات البيت ، وعندما يجلس ليستريح يمسك هاتفه ويكمل اتصالاته ، وبعدها طلب سمير من أمه هاتفها ليلعب به حتى يحين موعد الغداء ..بسرعة أقفل أبا سمير الخط قبل أن يشعر أحد به ..وأخذ يفكر في كلام ولده ..
فبدأ يعيد علاقته في بيته كشريط سنيمائي ، ويستعيد الكلام الذي سمعه ، فكانت مشاعره تهتز من الخجل !..وسأل نفسه سؤال كيف عدّت سنين من عمر ابنه البالغ أكثر من ثلاثة عشر سنة وهو يعمل ويجمع المال للزمن من غير أن يفكر باحتضان ابنه مع أن ابنه هي ثروة عمره الحقيقية ؟.. عندئذ شعر بغصة كبيرة في قلبه وارتجفت يده لأنه شعر أنه هو المحتاج كثيراً لحضن وغمرة من ولده ..فذهب في طريقه ومر على محل ألعاب واشترى لابنه لعبة شطرنج جديدة وغلفها بأحلى شريط للهدايا ، ورجع مسرعاً إلى البيت ، لم يكن يعرف ماذا سيفعل أو كيف سيبدأ مع ابنه المنسي والظامئ لعطفه ، كل الذي كان يعرفه أنه عليه أن يغيير نفسه وتصليح أوضاعه ، ترك اوراق عمله في سيارته ..ولم يكن في يده غير تلك الهدية ، ثم جاء إلى البيت ولم يفتح الباب بالمفتاح لأنه علم أن ابنه الصغير سيجري ويفتح ، رن الجرس وركض سمير وفتح الباب فوجد أباه واقف يحمل الهدية وعلى وجهه ابتسامة حب عريضة لم يراها أو يألفها سمير من قبل !..
قالت الأم: من ياسمير ..
قال لها .. إنه أبي ..
علق سمير عينيه على الهدية ..و قال في سره أكيد هي ليست لي ..
قفل سمير الباب وهو فى طريق عودته لغرفته ..
كان أبوه لا يزال واقفاً على مدخل البيت ، ثم سمع صوته يقول له .. أين حضن سمير؟.. تسمر سمير في مكانه ، وبدأ يدور براسه كأنه يبحث ليتأكد أن ما سمعه هو موجه له
وقال له باستغراب .. هل قلت شيئاً يا أبي ..
ردد الأب .. نعم قلت لك أن مقر حضن سمير؟؟ ..
صرخ سمير وهو يفتح ذراعيه ويرتمي بقوة إلى حضن أبيه..وقال هذا هو حضن سمير !! ..
رمى أباه الهدية على الأرض ، وحضن ابنه وراح يقبله في كل مكان وهو يحمله وكأنه يراه للمرة الأولى ..خرجت الأم من المطبخ ..وهي تقول حالاً سيكون الغداء جاهز ..فتسمرت مكانها هي الأخرى مستغربة وهي تشاهد زوجها يحضن سمير ثم جلس على مقعده وهو يتحسس شعر ابنه في حضنه وهمس لزوجته أن تؤجل الغداء ....
مر الوقت وسمير لا يريد أن يغادر حضن أبيه حتى غط في نوم عميق .. وبعدها نام الأب الذي ادرك أنه هو من كان الجائع الأكثر لحضن ولده !!..
إنها ليس مجرد قصة ، لأن سمير موجود في الكثير من البيوت ، مع الأب الجائع لحنان وحضن أطفاله ..
 أعطوا أولادكم الأولوية والأهمية الأكبر في الحياة ورافقوهم في الصغر واستمعوا إلى خربشات قلوبهم الغضة ولاتلوموهم على ضجيح كلامهم أو كركبة أغراضهم فلا ينشأ الطفل سوياً إلا بإعطائه مساحة من الحرية التي لاتقيده بالتهديد أوالخوف .. والأهم أن يشبعهم الأب أيضاً  من كنز دفئه وحنانه قبل فوات الأوان ..

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.