مجنون السودان العبقري وقصته المزعوعة.. الشاعر الأستاذ محمد عصام علوش

أضف تعليق


 (قال لي صديقي)

ـ الحلقة ثلاث مئة وسبع عشرة ـ

{مجنون السُّودان العبقريُّ وقصَّته المزعومة}

تقول القصَّة: إنَّ الشَّاعر السُّودانيَّ إدريس محمد جَمَّاع (1922 ـ 1980م) ذهب في

رحلةٍ علاجيَّةٍ إلى لندن، وفي المطار بصالة المغادرة لمح من على البعد فتاةً حسناء،

كانت في أغلب الظَّنِّ عروسًا حديثة العهد بالزَّواج، وهي بصحبة زوْجها، فأعجبه

جمالها، وظلَّ يتأمَّلها بناظريه حتى انتبه زوجها، فغار عليها منه، فما كان من الشَّاعر

إلَّا أن نفحه بأبياتٍ قال فيها:

أعَلى الجمالِ تـغـارُ مـنَّا   مـاذا عـلـيْــكَ إذا نـظــرنـا؟

هي نـظرةٌ تُـنسي الـوَقـا رَ وتُـسعِد الـرُّوح الـمُعـنَّى

دنـيـايَ أنـتِ وفـرحــتي  ومُـنـى الـفــؤادِ إذا تـمَـنَّـى

أنـتِ الـسَّـمـاءُ بَـدَت لـنا  واستعـصَمَـتْ بالـبُعـدِ عـنَّا

هـلَّا رحـمْــتِ مـتـيَّــمًـا  عـصفـتْ به الأشواقُ وَهْنا

وهـفـت به الذِّكرى فطا ف مع الدُّجى مَغنًى فمَغنى

هــزَّتـه مـنـكِ مَـحـاسنٌ  غـنَّــى بــهـا لــمَّـا تـغَــنَّـى

يـا شــعـلةً طافـتْ خـوا  طِـرُنـا حـوالـيْـهـا وَطُـفـنـا

آنـسـتُ فـيـكِ قــداسـةً  ولـمَـسـتُ إشــراقًـا وفــنَّـا

ونـظــرتُ فــي عـيـنـيْــــــــــــك آفـاقًـا وأسرارًا ومَعـنى

وسـمِعـتُ سِحـريًّا يـذو  ب صداه في الأسماعِ لحنا

نلتُ السَّعادة في الهوى  وَرَشـــفـــتُـهـا دَنًّــا فــدَنَّــا

كـلِّـم عهودًا في الـصِّبا  واسـألْ عهـودًا كـيْـف كـنَّـا

كم بالـلِّـقـا سـمحتْ لـنا  كـــمْ بـالـطَّـهـارة ظـلَّـلَـتْـنـا

ذهـبَ الـصِّبـا بعهـوده  لـيْـت الـطُّـفـولـة عـاودَتْـنـا

ويروى أنَّ الأديب الشَّاعر عبَّاس محمود العقَّاد سمع بهذه الأبيات، فسأل في دهشة

عن قائلها، فأجابوه إنُّه في إحدى المصحَّات النَّفسيَّة، فقال: هذا مكانه؛ لأنَّ من يُشعر بهذه

العبقريَّة، فهو مجنونٌ كمجنون ليلى، ولَعمري إنَّ هذا الكلام لا يقوله عاقل.

وفي أحداث القصَّة: أنَّ الشَّاعر عندما وصل إلى مكان علاجه بالمستشفى الإنجليزيِّ

بلندن كانت في المستشفى ممرِّضةٌ إنجليزيَّةٌ لها عيونٌ آيةٌ في الجمال، فكان يطيل النَّظر

إليها، ويُبحلق بها حتى أوجست منه خيفةً، فأخبرت كبير الأطبَّاء بأمره، فطلب منها أن

تضع على عينيها نظَّارةً طبِّيَّة سوداء لتتَّقي نظراته المُريبة، ففعلت، فلمَّا رآها الشاعر،

قال:

السَّيْف في الغِمْد لا تُخشى بواتره  وسَيْفُ عينيْكِ في الحاليْنِ بَتَّارُ

وعندما تُرجم البيت للممرِّضة الإنجليزيَّة أجهشت بالبكاء، وبحسب بعض نقاد الأدب أن

هذا البيت هو أبلغ بيتٍ في الغزل في العصر الحديث، ولا يَنسى رواة هذه القصَّة أن

يذكِّرونا بأنَّ من شعر الشَّاعر التي ذاع صيته:

إنَّ حـظِّي كـدَقـــيـــقٍ  فوْق شوْكٍ نـثروه

ثــمَّ قــالــوا لـحـفــاةٍ   يَوْمَ ريحٍ اِجـمعوه

صَعُبَ الأمرُ عليهمْ  ثمَّ قـالـوا اُتـركوه

إنَّ مَـن أشـقــاه ربِّي  كيْف أنتم تُسعِدوه؟

هذه هي القصَّة التي انتشرت عبر وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ انتشار النَّار في الهشيم،

غير أنَّ المذيع في هيئة الإذاعة البريطانيَّة (أحمد فاخوري) مقدِّم برنامج (ترنْدِنغ) يشكِّك

في هذه القصَّة، ويراها مؤلَّفةً وغيْرَ منطقيَّةٍ؛ لأنَّه لا يمكن للشَّاعر أن يُنشد هذه الأبيات

أمام الزَّوْج الذي أنكر عليه النَّظرات، ويكاد يتفجَّر من الغيرة، ناهيك عن أنَّ الأبيات

تُظهر أنَّ الشَّاعر كان على معرفةٍ بتلك الفتاة منذ أيَّام الصِّبا، وكانت له معها مواعيدُ

ولقاءات، والشَّاعر لم يذهب أصلًا في رحلةٍ علاجيَّةٍ إلى لندن، بل ذهب إلى بيروت، ولم

ترو عنه في رحلته إلى بيروت هذه القصَّة ولا غيرها، وقد تابعتُ برنامجًا تلفازيًّا على

قناة النِّيل الأزرق السُّودانيَّة حول الشَّاعر الجمَّاع، فذكر الدُّكتور الضَّيْف القصيدة، ولم

يذكر القصَّة على الإطلاق، وذكر أن الجمَّاع كان من شعراء الحبِّ العذريِّ الَّذين لم

يُشبِّبوا بأكثر من واحدة، وأنَّ رحلة علاجه كانت في لبنان، وأنَّ الشَّاعر عاد بعدها إلى

الخرطوم وبهذا يسقط أيضا حدَثُ القصَّة الآخر عن الممرِّضة  الإنجليزيَّة التي ما كانت

لتبكي وتهتزَّ لذكرالأغماد والسُّيوف كما يهتزُّ السَّامع العربيُّ، وحول الزَّعم أنَّ البيت

الشِّعريَّ:

السَّيْف في الغِمْد لا تُخشى بَواتِرُهُ  وسَيْفُ عينيْكِ في الحاليْنِ بَتَّارُ

هو أبلغ بيت في الغزل في العصر الحديث، فالفاخوري  يرى أنَّه زعمٌ باطلٌ، وأنَّ

الصُّورة الخياليَّة فيه هي صورةٌ تقليديَّةٌ سبقه إليها الوَأواءُ الدِّمشقيُّ الشَّاعر في أبياته الَّتي

غنَّتها المطربة فيروز، ومنها قوله:

دَع عنك ذا السَّيْفَ الَّذي جرَّدته  عـيْناكَ أمضى من مَضارب حَدِّهِ

كلُّ السُّيـوفِ قـواطِعٌ إنْ جُـرِّدَتْ  وحُسامُ لَـحـظِكَ قـاطِعٌ في غِـمْدِهِ

وقد ذكر الضَّيف في قناة النِّيل الأزرق أنَّ هذا البيت المنسوب للجمَّاع فيه اضطرابٌ في

روايته، وأنَّه غير موجودٍ في ديوانه، فقد يكون ممَّا قاله هو أو غيره، أمَّا الأبيات الأخيرة

التي نُسبت له أيضًا فمن المؤكَّد أنَّ البيتين الأوَّليْن:

إنَّ حَـظِّي كـدَقـيـقٍ  فوْق شوْكٍ نـثروه...

ثـمَّ قـالــوا لـحُـفـاةٍ  يَوْمَ ريحٍ اِجمَعوه

ليسا من نظمه هو، والصَّحيح أنَّهما للشَّاعر المصريِّ عبد الحميد الديب (1898 ـ

1943م) الَّذي تسمَّى بـ (وريث الصَّعاليك)، وأنَّه قالهما في لحظةٍ من لحظات بؤسه

الذي درج عليه في معظم محطَّات حياته، وحسب رواية معاصريه، فإنَّ الأبيات قيلت

في عام (1939م) وهذا معناه أنَّ الشَّاعر إدريس جمَّاع كان عمره سبعة عشر عامًا، ولم

يُعرف بصفته أديبًا أو شاعرًا في تلك السِّنِّ، كما أنَّها ليست موجودةً في ديوان إدريس

الوحيد (لحظات باقية) بينما وردت ثلاث مرَّات في كتاب: (الصُّعلوك السَّاخر وشعره

المجهول عبد الحميد الديب) نشرته دار الكتاب العربيِّ، دمشق، القاهرة، وقامت بطباعته

دار القبس للطِّباعة ـ الطبعة الأولى عام (2005) ومؤلِّفه هو الأستاذ/ محمد محمود

رضوان/ وقد قدَّم للدِّيوان الشَّاعر/فاروق شوشة/ والأبيات موجودةٌ في الكتاب المذكور

صفحة (58، و68، و406)، ويلاحظ أنَّ الشَّطر الأخير في البيتيْن التَّالييْن فيه غلط في

قوله: (كيف أنتم تُسعِدوه؟) فكان من حقِّ النَّحو على الشَّاعر أن يقول: (كيف أنتم

تُسعِدونه؟) لتجرُّد الفعل المضارع عن النَّاصب والجازم.

قلت لصديقي: أمْرنا في القصِّ واللَّصقِ معروفٌ، نجري فيه وراء ما يلفت النَّظر، ووراء

كلِّ حادثةٍ غريبةٍ عجيبةٍ يمكن أن تجد لها سوقًا رائجة في مواقع التَّواصل دون تمحيصٍ

أو تدقيق، غير أنَّك لم تذكر للشَّاعر إدريس محمد جمَّاع شعرًا آخر نتعرَّف عليه من

خلاله غير هذه الأبيات بقصَّتها المزعومة، فأجاب: هذا موضوع الحلقة القادمة إن شاء

الله.

محمد عصام علوش.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.