ديوان اكثر مني.. الشاعر محمد محمود العكشية

أضف تعليق



    أكثرَ مني..

                                      مجموعة شعرية




محمد العكشية


أكثر مني
مجموعة شعرية
محمد العكشية
الطبعة الأولى 2019

جميع الحقوق محفوظة

دار الكلمة للنشر والتوزيع

غزة – فلسطين
جوال 0598877444-00970
kalemabook@gmail.com

جميع الحقوق محفوظة: لا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب، أو أي جزء منه، أو تخزينه في نطاق استعمال المعلومات، أو نقله بأي شكل، دون إذن مسبق من الناشر.




العكشية، محمد 
أكثر مني/ محمد العكشية.
غزة: الكلمة للنشر والتوزيع، 2019.
(154) ص، 15*21 سـم
رقم الإيداع: -----/2019




        أكثرَ مني..

                                    مجموعة شعرية



محمد العكشية









دار الكلمة للنشر والتوزيع






إليها..
ندبة الروح العليا.






وصية المَطالع!

قــلْ للقصيــدةِ لا تبوحي بالذي
أفضــتْ إليكِ به شـفاهُ الريـــحِ

للريحِ أن تصفَ اللقاءَ صراحةً
وعلى القصيــدِ أمانةُ التلميــحِ!








إغواء!
يا ليــلُ فلتمــشِ الهوينــى، لا تخَــفْ
سنَقيـــكَ لومَ الصبحِ بالشعرِ الوثيـــقْ

واجلـــس بقربي ليلةَ أخــرى وقل
للصبـحِ أغوتني القصائدُ في الطريقْ


اعتذار
يا أيها الوطـنُ اعتذارًا واجبًا
أني بحثتُ فما استطعـتُ أراكَ

لو أنني ألقاكَ فيكَ فأنتشــي
لكنَّما فيكَ الجميعُ.. سـواكَ!

فكأنما شِبنا جميعًا وانطوى
فيَّ الصبا لما فقدتَ صباكَ

وكأنَّ من أعشى عيوني ذاتُهُ
ذاك الذي بالجهلِ قد واراكَ!













رمشاك
رمشاكِ قافيةُ المدى، حقٌّ له
-إذ ذاك- يُمعنُ في الفضاءِ شرودا

من كانَ رمشُكِ نَصَّهُ فقَدَ الرجا
في أن يصوغَ من الحروفِ قصيدا

أحرى به وجعُ السكوتِ على الهوى
فيموتُ في حرمِ السكوتِ شهيدا

 وتوعَّدَ الرمشانِ قلبي بالردى
والكحلُ فوقهما أشدُّ وعيدا

كفّاكِ من ورقِ الحنينِ إذا رَمَتْ
أشجارُهُ أوراقَها تنهيدا

ولقد تنهدَ إذ رآنا فانتوى
ألا ينازعنا اللقاءَ عنيدا!

هذا الحنينُ رسولُنا في بُعدنا
ولدى التقاربِ لا يقيمُ بعيدا

يبقى على بابِ الفؤادِ كهرَّةٍ
ألِفَتْ على شظفِ المُقامِ صعيدا

يا بنتَ أيامي على رسل الجوى
يمشي بنا عمرُ الفِراقِ وئيدا

وأقيمُ في خيماتِ شِعري ريشةً
ملت معاقرة المدادِ عهودا

أنا من حروفٍ والحروفُ تحبني
وتخصني تيجانَها تمجيدا

عرشٌ لقافيتي بفُسطاطِ اللمى
شرقيَّ لَحظِ الضادِ شِيدَ عتيدا

وطفقتُ أنهلُ من دنانِ قصائدي
منذ افترقنا، شاعرًا عربيدا

حتى تعهدني القصيدُ ولم أزل
طفلًا على كفِّ القصيد وليدا

يا ساقيَ الشعرِ المقيمَ على دمي
لا تبقِ في ظمأ القصيدِ وريدا

وازرع قصائدَ من سلالتنا بنا
أبنوسَ حرفٍ عاليًا صنديدا

فإذا رجعتِ سكبتُ كلَّ محابري
وأحلتُ ذاتي في هواكِ قصيدا



راهبٌ من صوت
 لصوتك في ربوع القلب جِرْسٌ
صدى نقسٍ يدوِّي في كنيسة

كأن الصمت هرطقةٌ بقلبي
وصوتك ذا.. تراتيلٌ حبيسة!

تعمدني ظلال الوصل، لكن
شعاع الهجر عمَّدَ بي شموسَه

وذا قلبي غداة الهجر يخبو
وعند الوصل يُشعل بي حسيسَه!



أنا لي..
 كبيرُ الشوقِ يُدنيني إليَّا
إذا غبتم عطفتُ أنا عليَّا

وأجذِبُني إليٍّ كجذعِ سروٍ
يجاذبُ غُصنَهُ لينالَ فَيَّا

وهذا الغيمُ غيمًا كانَ، لكنْ
تطوَّفَ راجيًا في الغيرِ سُقيا

ولما حارَ خُذلانًا تسامى
وعانقَ ذاتَهُ.. فغدا نبيَّا



نوستالجيا!


قل للحنينِ.. إليكَ عني ساعةً

حــتـى أحـــنَّ أنا..   إليكَ قليــلا!



غبطة.. ظلامٌ في قلبها

قالت مدينتُهم لهذا الليلِ قبلَ رحيلِهِ:
يا حظَّ قلبِكَ يا رفيقْ!
ترمي الرؤى في نومهم.. وتسيرُ مكتملَ البريق.
يصحو جميعُ الحالمينَ..
فلا يرونَ سوى ظلامي خائفًا فوق الطريقْ..
فيقولُ كلُّ الحالمينَ بحسرةٍ: تبَّت ديارًا..
تبَّ هذا الصبحُ ذو الوجهِ الصفيق!

لا تقترب
طاوعْ فؤادَكَ، أعطِهِ ما يشتهي
إلا مجـاراةَ الحنينِ.. فقـل لـــهُ:

كلَّا، مهٍ، تبًّا، صـهٍ، لا تقتربْ!
إنَّ الحنيــنَ هو الخبيــثُ الأبلهُ

يُغــريكَ بالأمــلِ البعيدِ فتنتشي
ويُريكَ أشبــاحَ الغيــوبِ فتَعْمَهُ






سلامٌ أيها الصمت!
هطـــولًا أيها المعنــى علينــا
ولا تســـألْ لماذا، كيفَ، أينا!

وأشـرِبنا كؤوسَ الشعـــرِ ليلًا
ودعــنا ننـسَ فجـرًا ما شرِبْنا

ليبقـــى طائــرُ الأشـعارِ حرًّا
بغــاباتِ الخيـــالِ ومطــــمئنَّا

صحائفُنــا فخـــاخٌ من بيـاضٍ
نُصبنَ لأســـرِ طائرِنا المُكنَّى

معـانينـــــا هــباءٌ لــو أُبـينَـت
قصــائـدُنا أُســارى لو كُتبْـنــا

سلامًا أيها الصمتُ.. احترامًا
ســـلامًا   أيهـــــــا  المـــــعنـــــى    وأمـــــــــــنا


عزلة، وفناء
بيتٌ بأقصى بقعةٍ، وأنا أنا
لا شيءَ مختلفٌ سوى أني خفي

فهمي لهذا الحاضر العبثيِّ يمـ
ـلأُ خافقي، ومحابري في معطفي

وأظلُّ أملأُ أرفُفي بقصائدي
وأموتُ وحدي زاهدًا في أرففي

يتلو القصائدَ بعدَ موتي بلبلٌ
ويقالُ هذا من قصيدِ المختفي!



صدى جرياني

أشتاقُ بسمتَكَ التي خصَّتْ دمي
بعطيَّــةٍ من دافــئِ الســـــــريانِ

وتبسُّـــمًا ارســلتَهُ بين الـــورى
عشـــبًا، ولي عودًا من الريحانِ

وجعلتَ من هذي الأماسي خيمةً
آوتْ صــبايَ وشــرّدَتْ أحزانـي

فاليوم تحضرني الأماسي كهلـةً
في ثوبِ ذكرى واســعِ الأردانِ

وقلقتَ يومًا من سكوني إذ طغى
فاليومَ أقلقُ من صدى جـــرياني






 ناثرٌ متناثرُ..
يا حلوة التقسيم عودٌ خافقي

أنا يا صبيةُ ناثرٌ متناثرٌ

فهجرت نثري وانزويتُ برقعةٍ

وتلملمَتْ أطراف قولي في يدي

وجعلتُ أنشد في الليالي أحرفًا

فكأنها مسٌّ وأني ساحرٌ

حفلٌ به قلبي يراقص نظمَهُ

وغدوتُ فارسَ قصةٍ منظومةٍ

مدي يديك ودندني خفَقاني

وجبينك الشعرُ الذي أغواني

في جانب الشعر القصي الداني

فغدوت كفًّا والبيان بناني

وحدي أراها في الدجى وتراني

والشعرَ سحري والدجى أعواني

ظلٌّ وحيدٌ لا تقلْ ظلَّانِ

لا الدربُ يفنى أو يملُّ حصاني


سلامٌ، إلى بعيد..

سلامٌ كالحنينِ؛ يظلُّ حَيَّا
إلى مَن حينَ أذكُرُهُ وحيدًا
وأغدو بينَ بينَ، وبينَ قلبي
ويهوي جاثيًا شِعري لذكرى
ولم نفتأ صغارًا ما التقينا
ونبقى بين هجرٍ والتقاءٍ
نُغافلُهُ، وحينَ يرى لِقانا
إلى حلوِ التبسُّمِ والمُحيَّا
يغيبُ الذِّكْرُ والسلوى سويَّا
وبينَ البينِ ما يُملي عليَّ
وهل تَهوي قصائدُنا جِثيَّا؟!
ونبلغُ في تفرُّقِنا عِتيَّا
صبيًّا شاخَ أو شيخًا صبِيَّا
يقولُ العمرُ: "قد خَلَصَا نجِيَّا"!






ظبيةٌ وخواء!
وحدي هنا، والظلُّ يُثقلُ هامتي
في الروحِ ثمةَ ظبيةٌ .. وخواءُ

وهواءُ هذا المرجِ ينصحُ بعضَهُ:
عبثٌ مغازلةُ الغصونِ.. شقاءُ

قالت فلاسفةُ التأملِ كلُّها
ونقائضُ الأشياءِ والأشياءُ:

داءٌ تأملُكَ العميقُ جميعُهُ
وغيابُهُ يا ابنَ التأملِ داءُ!



خطوة..
لي في السنينِ حنينُها والأسئلة
وهزيزُ خوفٍ من خُطايَ المُقبِلة

هوْنًا أسيرُ على السنينِ وكلَّما
جاوزتُ عامًا قامَ حتى أحملَه

ما أثقلَ العمرَ الذي أمشي بهِ
ما أندرَ الأحبابَ فوقَ الأسبِلة













ظل الروح..
أمشي مسافاتٍ لعلي لا أرى
إلايَ في ذاتي.. لكي أنساكَ

والظلُّ ظلُّ الجسمِ لكنْ لا أرى
ظلًّا لروحي في الدروبِ سواكَ!








الرمل..

يقولُ البحرُ للأمواجِ:
سوف تسِرْنَ أخواتٍ، طوابيرًا أمام الريحْ.
وإحداكُنَّ تبلعُ أُختَها بغيًا، وتعظُمُ قدْرَ ما شاءتْ.
وذاكَ الرملُ تمساحٌ!
يحبُّ الموجةَ الكبرى، فتبلعُها شُدوقُ الرملِ قطْراتٍ ممزقةً.
ويؤلمُها تعاظمُها وحجمُ الماءِ في فمِها،
فتُبدي ملحَها ندمًا، بلا تصريحْ.

إليها، إلينا، إلى لقائنا..
لكِ ما يقولُ الشعرُ منتشيَ النِّدا
لي صمتُ هذا الشعرِ، لي بوحُ الصدى

قلبي مدى المعنى، مدى قيثارةٍ
ومدى المجازِ، ولم أزلْ أخشى المدى!

هلا وقفتِ على يدِي كيمامةٍ
لأرى مدايَ، وقد مددتُ لكِ اليدا

لجبينِكِ الغيمُ الفسيحُ ولي أنا
رعدُ الغيومِ وما تخبئُ من ردى

لعيونِكِ الليلُ، السديمُ، ولي أنا
ألا أصيرَ أمامَها إلا سُدى

دهرٌ على ظهري أعدُّ سنيَّهُ
منذ افترقنا يذبحُ الأمسُ الغَدا

يا أجمل الأوتارِ في عودي ومَن
دندنتُ فيكِ، ومنكِ لحني الأمجدا

غابٌ من الأبنوسِ، ظلٌّ هاربٌ
عشبٌ طويلٌ، ظبيةٌ، شمسٌ، ندى

وحبيبةٌ، شِعرٌ يرفرفُ في دمي
تفاحتانِ، خريرُ قلبٍ في المدى

حبٌّ يراودُ بعضَهُ عن نفسِهِ
ويحلُّ في سرٍّ ويَحْرُمُ لو بدا

والليلُ موقدُنا، انتشاءُ قصيدةٍ
في نارِهِ، أيجوزُ هذا موقدا؟

قولي لمنجَلِ حاجبيكِ محرَّمٌ
حصدُ القلوبِ ودونَ ذاكَ فما اعتدى!




عقوق..

الموجُ نجلُ الريحِ،
يكبرُ في يديها ثمَّ تشربُهُ الرمالْ!
..
يا موجُ بِرًّا بالتي حملتكَ بحرًا كاملًا..
وضَعَتْكَ كرهًا ثمَّ تاهت في الجبال.


 تيه، سامري..

تِيهٌ، وموسى لم يعُدْ.
وأنا، كشأني دائمًا، في عزلةٍ؛ ناري هنا.. وحدي هنا
شعري وفلسفتي الركيكةُ والعميقةُ، كلُّنا..
في عزلةٍ.
القومُ حولَ السامريّ.
قسمينِ صاروا، عشرةً، ألفًا..
وعينُ السامريِّ عليَّ تدنو في الظلامِ وتبتعدْ.
ويقولُ لي:
 -من أنتَ يا قلقَ الكلامِ ولونُ نارِكَ منفردْ؟
مَن قومُكَ المتناثرونَ على الطريقْ؟
أنا لا أرُدّْ.
شيءٌ بقلبي لا يحبُّ السامريّْ.
شيءٌ يقولُ بأنه يومًا ستلعنُهُ جموعُ المؤمنين.
وبأنَّ موسى غاضبٌ من عُزلتي
وبأنَّنا سنضيعُ في وديانِ سينا للأبدْ.

يا سامريّْ..
ياااااا سامريّْ!!
من أينَ أحضرتَ الكتابَ ولوحَ موسى التاسعَ المثقوبْ؟
والوعدَ والوطنَ القديمَ وكلَّ هذا الحقدِ في عينيكَ والألْفَ الذنوبْ؟
ولمَ انتهيتَ عن الحروبْ؟
ووضعتَ آخرَ ما جنيتَ من الخطايا فوق أرضي ثمَّ آثرتَ الهروبْ؟

يا سامريّْ..
أنا بعضُ موسى في ثيابِ محمدٍ
وأنا الذي في حاجبيَّ عبوسُهُ النبويُّ..
في وجهي تأملُهُ الرزينُ وشكلُ قلبي ما يحبُّ من القلوب.

يا سامريّْ..
سأظلُّ ألعنُ عجلَكَ المشؤومَ في كلِّ ابتسامٍ للنبي بخاطري
ويظلُّ موسى يلعنكْ..
ويظلُّ عيسى يلعنُكْ..
سيانَ عندي أن تتوبَ ولا تتوبْ.


لا عناقَ ولا قُبل!

ظلٌّ وعصفورانِ قربَ النافذة
خَدَرٌ بساقِ الأقحوانِ، يمامةٌ خلفَ المدى.
وأنا بدوني واقفٌ، متعادلٌ..
وطني بعيدٌ لا عِناقَ ولا قُـبَلْ!

الشعرُ في هذي الظهيرةِ رتلُ جيشٍ هادرٌ..
قلبي هو القرَوِيُّ يُخفي وجهَهُ، فأسيه، طفلتَه الكبيرةَ، خلفَ كوخٍ باهتٍ..
يخشى عبورَ الجيشِ، أو عبَثَ الجنودِ وشهوةَ الجنرالِ والسيْرَ الوجِلْ.
قلبي هنا..
طفلٌ يسيرُ كما يسيرُ هنا الأملْ: متباطئًا، ومحاذِرًا.. وبلا أملْ.
وأنا بدوني واقفٌ، متعادلٌ..
وطني بعيدٌ لا عناقَ ولا قُـبَلْ!

يعقوبُ في عينيَّ، راحيلُ الجميلةُ في دمي
لي إخوةٌ، وشقيقُ روحٍ غائبٌ

وجعٌ وبضعُ سنابلٍ ومدينةٌ
عشبٌ تركتُ عليه آخرَ ما سمعتُ من الحفيفِ
وأولَ القلقِ المراهِقِ، وانسحابي في خجلْ.

يعقوبُ حدِّقْ يا أبي..
هذا أنا، أنا يوسفُ الطفلُ الكبيرُ، أنا انكسارُكَ..
شيبُكَ المحنيُّ فوقَ حديثِنا
وبياضُ عينِكَ واحتضارُكَ والسماءُ ومن عرفتَ ومن جهلتَ ومن تزورُ لأجلِ عيني المعتقَلْ.

أنا يوسفُ النبويُّ في هذي الظهيرةِ، لا مساءَ ولا صباحَ على الرُّبى
لا بينَ بينْ.
وأبي بعيدٌ لا عناقَ ولا قُبَلْ.

كنعانُ هل بقيَت على أحوالها؟
أطفالُها يَجرونَ بينَ السنبلاتِ ولا يُرونْ.. مثلَ الرياح الهادئة.
فتياتُها حبٌّ وراءَ غلالةٍ شفافةٍ، وبريقُ كونٍ في مُقَلْ
أنهارُها غيمٌ تنازلَ عن جناحيهِ اعترافًا بالأخاديدِ الطويلةِ دولةً، أحلى الدولْ.

كنعانُ هل بقيت؟
وجدّي ما يزالُ يقول أسئلةً قصارًا ثمَّ ينسى ما سألْ؟
وكلامُنا الليليُّ يا أبتِ النبيَّ..
حكايةُ النومِ الطويلةُ، والشقاوةُ..
حضنُكَ الأبديُّ والنايُ الذي في صوتِ أمي، والثغاءُ المنزليُّ..
وبنتُ أختي والصغارُ اللاعبونَ بشيبكَ الفضيِّ دونَ مهابةٍ..
ولك المهابةُ يا أبي، كلُّ المهابةِ والوجلْ.
هذي الظهيرةُ يا أبي سجانُهم لو غادرَ السجانُ منهم أو ثمِلْ.
للشمسِ في هذي الظهيرة نظرةٌ فوقيةٌ
لا دفءَ فيها، لا سلامَ ولا أملْ.
خدِّي على زندي وزندي معتقلْ
مازال في زندي النحيلِ بقيةٌ من دِفءِ كنعانَ الخجِلْ
للنارِ في كانونكَ الشتويِّ أن تحيا..
ولي ألا أرى في شمسِهم إلا احتضارًا للسماءِ
وأن أشمَّ دخانَ موقدك السميكَ كوردةٍ مزروعةٍ فوق الجبلْ.

ظلٌّ وعصفورانِ قربَ النافذة
جنديةٌ تلهو على صدرِ الحقيقةِ فوقَ عشبٍ نائمٍ
خلفي وراءَ الظلِّ..
قدامَ العصافيرِ  الصغيرةِ..
فوقَ قلبي..
تحتَ شمسٍ لا ترى إلا الجنودْ.

وينامُ هذا العشبُ فوقَ مدينةٍ كانت تصدِّرُ للرعاةِ الحبرَ والفخارَ والطينَ العنيدْ
والعشبُ تحتَ حذائها متعادلٌ..
متسائلٌ، متفائلٌ، متواصلٌ، متخاذلٌ، متقاتلٌ، لكنه مازالَ يحرسُ للرعاةِ مدينةً
كانت تصدِّرُ للرعاةِ الحبرَ والفخارَ والطينَ العنيدْ.

ظلٌّ وعصفورانِ، موسى والطريقُ، وما حفظتُ من القصائدِ والنشيدْ
وحبيبةٌ سمراءُ بيضاءُ اختلَت بالنافذة
وتمثلت ظلًّا وعصفورينِ، خوفَ فراشةٍ من نظرتي
شيئًا يلوحُ ولا يلوحُ على يدي في غفوتي
وقصيدةٌ منبوذةٌ، أو نابذة.
ها كل هذا يا أبي يبقى معي..
لا تبتئسْ، أخرج قميصي من فناء قصيدةٍ، أبصِرْ وطِرْ..
وأقم هنا دومًا بقربي يا أبي.. ظلًّا وعصفورينِ قرب النافذة.

تراجيديا الأخوين آبيل..

(1) قابيلُ وهابيلُ يلهوانِ على التلال

قابيلُ ينثرُ قمحَهُ فوقَ الطريقْ.. هابيلُ يرعى كبشَهُ
أما الغرابُ فلم ينمْ منذ انتشاء العشب فوق التلِّ، مذ ضحكت لهابيلَ النساءُ على جداولَ في يبوس.
قتلَ الغرابُ أخاه ولم يكن لأخيه إلا القتلُ في شرع الغرابِ، وجاءَ يدفنُهُ على سفحٍ عظيم العشب في آبيلَ قربَ كنيسةٍ فيها توضأ مسجدٌ حتى يصليَ قربَ أحجار الكنيس.
"هذي صلاةٌ باطلة، سأدس رائحة الدماء بأنف هاتيك التلال، سأدفنُ الجسد الملطخ بالشقاق بكل تلٍّ في أبيلَ البائسة".. قال الغرابُ وحام حول تلالنا.
هابيلُ أبصرَهُ فطارَدَ وجهَهُ.. قابيلُ صلى كي تحاصرَه الغيومُ على جبل.
أما الغرابُ فحامَ حولَ التلِّ ثمَّ بنى هنالِكَ مقبرة.
- قابيلُ أقبِلْ يا أخي.. إنَّ الغرابَ يحومُ حولَ بلادِنا.. وضِّئْ كنانَتَكَ الفتِيَّةَ وارتقِبْ.. إني معك.
- سمعاً جليلًا يا أخي.. إني بقربك دائماً.
واشتدَّ طعمُ الليلِ في قلبيهما
والليلُ مُرٌّ حين ينفُضُ ريشَهُ فيهِ الغرابْ
وانزاحَ عن متنِ القصيدةِ كلُّ ماءٍ كان لَطَّف متنها
واندسَّ في عينِ الأخوَّة عنوةً كفُّ الضبابْ
والدربُ تحتَ عيونِ هابيلَ استشاطَ محدِّقاً في مقلتيهْ
والشمسُ صبَّتْ فوقَ قابيلَ الوصيةَ ثم دست وجهها تحتَ السحابْ
واشتدَّ نزعُ الأرضِ حين توضأت بدماءِ هابيلَ الصغير
جبلٌ فقيهٌ كان يُفتي الأرضَ دوماً لم يُجز ذاك الوُضوء
هذي دماءٌ طاهرة.. لكنْ وضوؤُك يا كريمةُ فاسدٌ
عارٌ على هذي البلادِ وضوؤُها بدماءِ هابيلَ الصغير
قابيلُ أيقِظْ ما فعلتْ
أيقظْهُ فوقَ سريرِ قلبِكَ إنَّ إيقاظَ الذنوبِ معظَّمٌ
كالضربِ في حجرٍ لينبثقَ الغدير
أيقظْ أخاك فإنه ما ماتَ إلا في فؤادِكَ وحدَه
ليموتَ حقاً حين تدفنُهُ كما رسمَ الغرابْ.
قوما لأجلِ أبيكما الغافي على كوفيةٍ فوقَ الصخورْ
قوما فآدمُ سوف يسقطُ مثلَ حيفا خلفَكم
عارٌ على الأخَوَين إن سقطَ العجوزُ عن الصخورْ
عارٌ على الأخَوَين إن سقطَ العجوزُ عن الصخورْ.

(2) قابيلُ وهابيلُ يموتانِ معاً.. ثمَّ يقومان

هابيلُ قمْ.. هذا المزاحُ يُخيفني
أنا ذاهبٌ كي أغسلَ الحجرَ الملطَّخَ في الغديرْ
رمِّمْ عظامَكَ واستقمْ.. لا تُلقِ فوقَ التلِّ ذنباً ثانياً
فأبوكَ خلفَ التلِّ يندُبُ هِجرتَهْ
ويخافُ من هِجراتِ أسرابِ الطيورْ
تباً لتاريخِ الذنوبِ يحومُ في شيبِ العجوزْ
قمْ يا أخي.. أتحبُّ أن نرِثَ الذنوبْ؟!
إنَّ الغرابَ يقولُ إنكَ ميتٌ ويحثُّني كي أدفنَكْ
لتدومَ رائحة الدماءِ على التلالِ ولا تغيبْ.
هي وحدَها الغِربانُ تقتلُ بعضَها.. أما أنا.. لا أقتلُك
هي وحدَها الأشجارُ تدفنُ بِذرَها.. أما أنا.. لا أدفنُك
هي وحدَها الأشياءُ تهجرُ بعضَها.. أما عيونُكَ يا أخي أنأى بها أن تهجرَكْ
أنا لم أُرِدْ إلا عطوراً في يديكَ ترشُّها فوقَ الكِباشِ لكي يباركَها الإلهْ
لوَّنْتَ كبشَكَ بالعطورِ.. تركتَ كبشيَ دونَ عطرٍ يا أخي
وأردتُ آيتَكَ الجميلةَ كي أرتلَها إذا سجدَ الصباحُ على يدِي
فتلوتَ آياتِ الصباحِ على التلالِ ولم تعلِّمنِ التلاوةَ يا أخي..
فكأنني وحدي سليلُ الخاطئينَ وأنتَ من نسلِ السماءِ أيا... أخي!!
هابيلُ قمْ..
حرفانِ مختلفانِ.. لا كلُّ الحروف
آبيلُ نُدعى يا أخي والقافُ هاءٌ قُلقِلَت.. والهاء قافٌ رُقِّقَت
هابيلُ قم.. هذي التلالُ تحبُّنا
لا فرقَ في نظرِ التلالْ.. ما بينَ هائكَ واختبائي خلفَ قاف
آبيلُ تجمعُنا ووجهي مثلُ وجهِكَ فيه وشمُ خطيئةٍ
آبيل تلعننا ووجهي مثلُ وجهِكَ قد تجهَّم للصغار الراقدينَ على بطونهمُو جياعًا، والنساء الوائدات الحبَّ في أحداقِهِنَّ، وشيبةٍ
للأرض لم نحفظ وصاياها، أخي!
آبيلُ تجمعُنا وأمُّكَ والحكاياتُ القديمةُ تحتَ داليةِ البلاد
وأبوكَ هاجرَ حين كنا نُطفتينْ
سجدَتْ له كلُّ الطريقْ.. وبكَتْ عليهْ
قمْ يا أخي!
إنَّ الغرابَ يحثُّني كي أدفنَك.. كي أنحني
سيرفرفُ الوغدُ ابتهاجاً فوقَ تلَّةِ لَهوِنا
ونعيقُهُ سيصدُّ سيرَ الموجِ في شريانِ يافا المهترئْ
إنَّ الغرابَ يحثُّني لأزيلَ بصمتَكَ الطريةَ عن إناءِ فُطورنا
ويريدُني أن أرسمَ الدربَ الطويلَ بلونِ وجهي وحدَهُ
ليزولَ لونُكَ عن بنادقِ دربِنا
إنَّ الغرابَ يريدُني أن أنحني.. كي أدفنَك
فإذا انحنيتُ فسوفَ يغرِسُ نابَهُ في ظهريَ المعقوفِ ثم يُقيمُ عُشاً فوقَهُ
يا ذلَّ موتي فوقَ موتِكَ تحتَ عُشِّ المجرمةْ
قبرٌ على قبرٍ وفوقَ قبورِنا ستقصُّ أظفارُ الغرابِ شريطَ حفلٍ صاخبٍ
ويبيضُ فوقَ قبورِنا رسمًا قبيحًا للحكايةِ، لوحةً كنعانُ فيها شوكةٌ همجيةٌ تُدمي نعالَ العابرين
ويموتُ آدمُ فوقَ ذكرى هجرتِهْ
قمْ يا أخي.. سأموتُ فوقَكَ حين يأكلُكَ الترابْ
آبيلُ هاءٌ قربَ قافْ
آبيلُ نحنُ ولا تقومُ هنا بحرفٍ واحدٍ
قمْ يا أخي..
آبيلُ ليست مقبرة
آبيلُ أجملُ من بقائي واحدًا
آبيلُ أوسعُ من عيوني وحدَها
آبيلُ ألوانٌ بلا حصرٍ وحفلٌ فيه كل الشاربينَ..
وغيمةٌ تهدي المياهَ لكل من عطشوا صلاةً أو فسوقًا، لا تمنُّ على أحدْ!
آبيلُ يا هابيلُ أولُ زرعِنا، ولنا هنالك بندقيةُ والدي
كنا نطاردُ كلَّ غِربانِ السماءِ بطلقةٍ
ونحررُ الغيمَ الوديعَ من الغُرابْ
وننامُ في أُرجوحةٍ بين السَّحابِ وبعضِهِ
ونعودُ في قطْراتِ ماءٍ حين ينزعجُ السَّحابْ
آبيلُ يا وطناً من البَلُّور في رفٍّ تَنَزَّلَ مع أبينا كي تظلَّ بقربِهِ فردَوسُهُ
آبيل أصدقُ ما سمعنا من سرابْ
آبيلُ فاتحةُ الكتابْ
آبيلُ واحتُنا الظليلةُ يومَ يُفتتحُ الحسابْ
سنقيمُ آبيلَ العظيمةَ مرةً أخرى ويفرحُ والدُك
ويموتُ فوقَ قبورِ إخوتِهِ ذليلًا خاسرًا.. وجهُ الغراب.

جدل..

صرخَ القلمْ:
إني أتيتُكَ حافيًا،
ورضيتُ يُفنيني المسيرْ.
نطقَ الكلامْ:
قلبي سلامٌ للذينَ يُسيِّرونَكَ شامخينْ
يَفنَونَ بعدَكَ في زنازينِ القصورْ.


اغتصاب!
قل للحمامِ أما رأيتَ مدينةً
تطوي الطريقَ، كسيرةً ومكابِرة؟

شيءٌ يلملمُ بعضَهُ في ذاتِها
فاعبُر بصمتٍ فوقَ صمتِ الحاضِرة

فيها أنا.. ظلٌّ لأمسٍ غابرٍ
طيرٌ على صارٍ كَوَتْهُ الهاجرة

وقصيدتي فيها أُهدهدُ ما أرى،
ما لا أرى، طفلينِ فوقَ الخاصرة

قل للحمامِ أما رأيتَ سبيَّةً
في شالها شِعري، تهرولُ حائرة؟

وتسبُّ هذا الشيخَ خاطفَ صُبحِها
ما أقبــــــــحَ الشيــــــــخَ المـــــــــــــــراودَ قـــــــاصـــــــــــــِرة!


وهل كنَّا؟
نَأَتْ عيناكَ عنَّا فادنُ منّا
ونحيا فوقَ سنبلةٍ جميعًا
وكنّا نحسبُ اللقيا خُلودًا
وكنّا يا صديقي.. كيفَ كنَّا؟
أتذكُرُ عينيَ السوداءَ نامتْ
وقمنا كي نقاتلَ من جديدٍ
وأَلبِسُ لونَكَ القمحيَّ حينًا
ونأكلُ غيمةً من حقلِ جدِّي
وكنَّا يا صديقي.. كيف كُنَّا؟!
وكنَّا ألفَ غصنٍ بَيْدَ أنّا
وبِتْنَا الآنَ أشجارًا طوالًا
ونحسبُ أنَّ أرضَ الحقلِ ضاقتْ
وكسّرْنَا قيودَ السجنِ.. لكنْ
تقاسَمْنا رصاصَ الحربِ يومًا
فمتنا وحدَنا من غيرِ قتلٍ
ورفقاً إنَّنا أخَوَيْنِ كُنَّا
ونُدفَنُ في ثراها لو قَضَينا
ونحذفُ من مُتونِ القولِ (كُنَّا)
أنَذْكرُ وجهَنا أم هل نسينا؟
على كتفيكَ يوماً حين مِتنا؟
وحيَّرْنا الأعاديَ.. كيف قُمنا؟!
وتلبسُ لونَ وجهي لو أردْنا
ونسقي الحقلَ من دَمِنا ونفنى!
أنذكر أنَّنَا يا صاحِ كنَّا؟!
أقمْنَا في شُجيرتِنا ونِمنا
عصيْنا الحقلَ حتى ملَّ مِنَّا
وما ضاقَتْ ولكنْ نحنُ ضِقنا
أقمنا حولَ دوحِ الحقلِ سجنَا
وأطلقْنا بقاياهُ علينا
وحيَّرنا الأعاديَ كيف مِتنا؟!

بيننا القبيحون..

بيني وبينكِ ما ترينَ من الوجوهِ القاحلة
عيناكِ واحاتُ الطريقِ..
أنا عِطاشُ القافلة.

وأظلُّ يا أحلى المدائنِ باشقًا، ماضيكِ ريشُ جناحِهِ
ويحومُ فوقَ رؤوسِهِم
والريحُ تُسندُ كاهلَه.

شقيق التلّ..

أنا في التلِّ قبلَ الخلقِ كلِّهِمِ..
وكان التلُّ منفرداً بلا صحبٍ ولا إخوانْ.
وأمُّ التلِّ والدتي
وهذا التلُّ يصغرني بعشرِ كهوفٍ انسدَّتْ..
وكان ينامُ فوق يديَّ مرتعشًا..
ويخشى من هزيمِ الرعدِ والأسطورةِ السوداءِ والغيلانْ.
هنالك أمُّنا صلَّتْ..
ولم تركعْ ولم تسجُدْ
وكانَ اللهُ ألهمَها تصلي مثلَ زيتونةْ
وتسجُدُ قطرةً قطرةْ.. كسَربِ غمامْ.
وأمي مرةً صنَعَتْ شعاعَ الشمسِ من رملٍ
وغنَّتْ دون شفتينِ..
وحاكت من جدائلِها لنا شُطآنْ
ومن وديانِ كفَّيْها رَمَت في أرضنا وديانْ
وصاغت شِعرها الوطنيَّ حينَ التلُّ ثارَ وصارَ جبليًا
وبعدَ بلوغه غنت له أمي قصيدتنا..
على وترين من جلدٍ ودفٍّ من زفيرِ الغيمِ قربَ جليلِنا الأعلى.
فقال شقيقيَ التلُّ: عظيني أميَ الكبرى
فقالت: تبصرُ الدنيا كما خُلقَت..
ففيك خلودُ هذي الأرض..
أهلُ الخلد سوف يرَوْنَ كيفَ الموتُ يجترُّ
وينْفُقُ ثم يجترُّ..
وينفُقُ ثم يجترُّ..
ستفقِدُ لذَّةَ الخُلدِ.. إذا بانت لك الدنيا كما خُلقَت
أخوك سيرسلُ الأشعارَ في نهرٍ من الأجيالِ..
فاتلُ الشعرَ حين تملُّ من تكرارِ شكلِ الغيمِ فوق الكرملِ الأعظم.
هنالك أمُّنا صارت كثيبًا نائمًا حولي
ومتُّ أنا بكفِّ التلِّ
نسلي بضعُ أطفالٍ..
وعُشُّ قصائدَ استلقى على كهفٍ من الصوانْ
وعاد التلُّ منفرداً.. بلا صحبٍ ولا إخوان!
هنالك ضمت الدنيا عباءتَها..
وصلى آدمُ العطسة..
وفوقَ التلِّ ألقى اللهُ ما ألقى
فكانَ الكونُ والإنسانْ.
هنالك أمُّنا عادت..
تغطي جسمَها الشرقيَّ كوفيَّة
وتحملُ بضعَ شهداءٍ ومِئذنةً وأحجارًا سماوية
وترسلُ صُرةً من ذاكَ للجيرانْ
وتصنعُ من مزيجِ الصمتِ والجبروتِ قُبَّتَنا..
وتخبرُ من أقاموا حولَ قريتِنا..
بأنَّ القُبَّةَ السوداءَ دارُ اللهِ في أرضي
وأنَّ الأرضَ مُلكُ اللهِ..
أورَثَها لهذا التلِّ والأحفادِ مَن حملوا ملامحَنا
فكيف تنامُ يا ابنَ الليلِ فوقَ التلِّ دونَ ملامحِ التلِّ؟
وكيف تنامُ قربَ القُبَّةِ السوداءْ..
وكنتَ فتحتَ قبلَ الكلِّ ما أهدته لكَ أمي؟
وكنتَ أكلتَ نورَ الأمِّ.. كلُّ العارِ أن تأكلْ..
فهذا النورُ يا ابنَ الجهلِ يُستنشقْ.. ولا يُؤكلْ..
وكيف أتيتَ فوقَ البحرِ والأمواجُ تحرُسُنا؟
أخانَتْ عهدَنا البحريَّ أم فقدَتْ ملوحَتَنا فلم تشعرْ بِحَرِّ الجُرحِ حين بصدرِها أوغلْ.
وكيف ترابُنا الذهبيُّ أوصلَ نعلَكَ الغازي.. ولم يخجلْ؟
وكيف نبشتَ كثباناً بها أمي.. ولم تُقْتلْ؟!
وكيف حصانُنا العربيُّ بيعَ كخمرِكَ الحمرا.. ولم يصهلْ؟!
وكيف تقولُ إنك صاحبُ التلِّ؟ ولم تشهدْ طفولتَهُ..
ولم تبصرْ بلوغَ التلِّ سنَّ الرعشةِ الأولى ليغدوَ بعدها جبلاً..
وكان بهذه الرعشاتِ يَفزعُ ثم يتكوَّرْ..
كمثلِ تحدُّبِ المِنجلْ
فأحضُنُهُ وأُخبرُه بأنَّ حقائقَ الأجسادِ لا تُخجِلْ
فلملمْ يا دعيَّ التلِّ ما تروي عن الدنيا
فإنكَ تجهلُ الدنيا وأعرفُ ضِعفَ ما تجهلْ.

ظلام، جبل..

لي يا مدينةُ منكِ حزنُ يمامةٍ
ضلَّتْ طريقَ العشِّ،
حاصرَها الظلامُ على جبلْ.

قالوا: ترجَّلْ يا ظلامُ..
لكي ترى عينُ اليمامِ طريقَها.
قال الظلامُ: أنا الطريقْ!
هيا معي لنزيلَ عن دربِ اليماماتِ الجبلْ!

كسرٌ على ياء النداء
يا وردة الدنيا (صَبَاحًا طيِّبًا)
منصوبةً حركاتُهُ مكسورَ ياء

نصبُ الحروفِ جميعِها لا يستوي
إن لم ينجبرْ كسرٌ على ياءِ النداءْ

نامي على زندِ النداءِ يمامةً
وتبسمي كالاستجابةِ في الخفاء

شوقٌ يوشوشُ شِينَهُ: ماذا جرى؟
والقافُ من قلقٍ تحدق في السماء

أسماءُ يا أسماءُ ما خطبُ اللمى
تهوي على صحراء قلبي مثل ماء؟

وتعودُ كي تُظميهِ نأيًا مثلما
يُظمي رقيقَ الوردِ تكرارُ الهواء







خطوة..
يا قارئَ الأرضِ ما للأرض تستعصي؟
شاخت عيونُكَ أم للأرضِ أحوالُ؟

كانت تُحبُّكَ لم تمنعْكَ من سرٍّ
والحبٌّ كشفٌ، وما في الحبِّ إسدالُ

تنوي التلالُ فتُبدي أنت نيَّتَها
الرملُ شِعرُ الرُّبى أو أنتَ زَجّالُ

يا ابنَ التساؤلِ روحُ النظمِ قد حُبِسَت
خِلِّ التساؤلَ إنّ السؤلَ أغلالُ؟

الأرضُ أرضٌ وعيني بعدُ لم تهرمْ
والحبُّ كحلي وشِعرُ الأرضِ أكحالُ

 لكنْ خُطفنا وعندَ الخطفِ لا شِعْرٌ
فالأرضُ تُنهَى وراوي الأرضِ يُغتالُ



المدينة..

ستظلُّ في عينيكَ أوسعَ ما تكونْ
حتى إذا ضاقت فخُذ من وُسعها زوجينِ للذكرى معَكْ
علِّقْهما في صدرِ قلبِكَ واعتزلْ هذا الجنون.
جدِّفْ ونادِ الطيبينْ: لا يلتفتْ منكم أحدْ.. أو تَغرَقونْ.

إنَّ الذينَ يحاصِرونَ الماءَ في أفواهِنا بالماءِ سوفَ يحاصَرون.
كالنخل نحنُ..
إذا أتتنا الريحُ تلهثُ خلفَنا سِرْنا مراوَغةً وظلَّت في الثرى أقدامُنا
والريحُ تلطمنا وتمضي ثم يبلعُها السكون.

المدينة.. أيضًا
جاءتْ على عجلٍ وألقت حِملَها
قالت: سلامٌ، لم أردَّ سلامَها!

ورأيتُ في قولِ المدينةِ ما رأت
في صمتِ وجهي فاستوَت وغُلامَها

يا أمُّ صمتًا؛ فالوجوهُ صحائفٌ
لمِّي التحايا، قد كشفتُ لثامَها

في كلِّ حرفٍ من سلامِكِ ريشةٌ
نقرت على وترِ الفؤادِ فلامَها

يأتي مساءٌ والمدينةُ تحتَهُ
عرسٌ يحيكُ على الملا أحلامَها

تُلقي سلامًا صِدقُهُ في وجهِهِ
ويـــــقــــــولُ   حــــــــقًّـــــا:   قــــــد   سَـــــــلَت   آلامَــــــهـــــــــا


كانون

كانونُ أولُ صفحةٍ في العامِ، أبردُ صفحةٍ.
كالصفحةِ الأولى بأيِّ مجلَّدٍ؛ بردُ الغلاف الخارجيِّ يُحيلُها ثلجيةً، مغرورةً ومحايدة!
لا تحتوي سرَّ المُجلَّدِ مطلقًا؛ تبقى على وجه المجلَّدِ زائدة.
لكنَّها -ببياضِها الثلجيِّ- تفتتحُ التساؤُلَ، تستفزُّ فضولَكَ البشريَّ:
"تبًّا، كم سنقلبُ من بَياضٍ فارغٍ قبلَ انكشافِ السترِ عن سرِّ الحروف الشاردة؟!"

إليهما، والظلامُ يكبر

وماذا الآن يا ولديَّ غيرً الصمتْ؟ 
ومحبرةٍ نخبِّئُها لقصَّتِنا؟
ونايٍ من جذوع الشِّعرِ يعصِمُنا من النسيانْ؟
وأغنيةٍ تراها البومُ عابثةً؟! وفيها قصةُ الدنيا من الأحزانِ للأحزانْ!
وماذا غيرُ لملمتي من الشطآنْ؟
من القيثارةِ الأولى وصاحبِها؟
منَ الوديانْ؟!
وماذا الآنَ غيرُ غمامةٍ فرَّت من العتمة؟
نخبِّئها بحقلِ القمحِ حتى تُرضِعَ الأطفالَ والأشعارَ والريحانْ
وماذا الآنَ يا ولدي سوى أنتم؟
أدغدغُ فيكم الدنيا، لعلَّ العتمةَ البلهاءَ تترُكُنا إذا ضحِكَتْ نواجذُنا
وأدْمَنَّا سماعَ الشعرِ والضِّحْكاتِ والألحانْ.


التلال المستقلة..
سلامٌ للتلالِ المستقلة
وللأحرارِ، والأحرارُ قِلَّة

ولا تأسَي، بَشيرُ الكلِّ بعضٌ
يجيءُ البدرُ في إثرِ الأهِلّة

دليلُ العيدِ وَحدتُنا جميعًا
ولا عيدٌ لمن فقَدَ الأدلَّة!

لكِ الأعيادُ أمطارًا بلادي
ولي من حزنِكِ العالي مِظلَّة

فلا يروي هطولُ العيدِ إلا
ربوعَ الحزنِ في دمِيَ المُوَلَّه













إلى حنظلة
أغمض عيونك واســتدر ياحنظــلة
(ناجـــي) أرادك عينــه فاربــأ بهـــا
واصعد على أفق الخيــال بنظـرةٍ
وارســـم بكفِّكَ للسُّــــراة طريقهم
قل يا حُنيظلُ حين تسرحُ في السما
أخبـــر رجــــالك أننـــا في أرضنا
سبعون عامًا والبلادُ تردُّنا
قل للسماء إذا نظرتَ بوجهها
منذ ابتداء التيه فوق بلادنا
وبقيتُ ظهري للصغار وبقجتي
قل يا حُنيظلُ حين تسرحُ في السماء
أخبـــر رجــــالك أننـــا في أرضنا
ماذا ستبصر في جنونِ المرحلة؟!
أن تبصـــرَ البــُـومَ المخــرِّبَ منزلَه
تُنســــيكَ أنكَ تحـــت خيمة مهزلة
ســرًّا، فإن الجهرَ أضحى معضــلة
ءِ لمن مضــوا: إن القضية مقفلـــة
 متنازعــونَ على جواهــر أرملـــة!
عنها وتصرخُ: لم تنالوا المنزلة
يا من عليها إن عبدك حنظلة
لم ينسَ أن القدسَ أولُ بوصلة
في الكف لم تلمس ترابَ الأسبلة
لمن مضــوا: إن القضية مقفلـــة
متنازعــونَ على جواهــر أرملـــة!


إلى حقيبتي.. شيءٌ من رائحةٍ ما

قولي وداعًا للمدينةِ يا حقيبةُ، سامحيها..
واذكريني إذ وقفتُ محدقًا في أمنياتِ حقيبةٍ معروضةٍ للبيعِ مثلَ أميرةٍ مسبيةٍ.. فوق الرصيف.
متسائلًا راقبتُها: أتُرى تساءلت الحقيبةُ ما المصير؟
هل خمَّنَتْ روح الحقيبة أنها يومًا ستحملُ ما يظنُّ الفيلسوف؟
تحمي دماءَ كلامه تسعين شهرًا، ثم تنجبها إذا أمِنَ الكلامُ بصفحةٍ مكشوفةٍ.
سارت معي خمسينَ شهرًا، لا تسيرُ بلا يدي، أو لا أسير بدونِها، وجهي لوجهِ حقيبتي ظلٌّ رديف..
في كهفِها سرُّ الحكاية كلِّها، وجعٌ إذا أطلقتُهُ قطعوا يدي، وجعٌ إذا وشت الحقيبةُ مرةً بحديثِهِ بقروا تأمُّلَها الرزينَ وأخرجوا طفلي الذي لم يكتمل، حبسوه في عقلي فمتنا كلُّنا، أنا والحقيبةُ والجنين!
كلَّا معاذَ الفضلِ أن تشيَ التي حررتُها فوق الرصيف..
ومعاذَ فهمِ الصمتِ في هذي الحكيمة أن تُشيعَ كلامَنا..
ومعاذَ ميثاقِ الفلاسفة الحيارى أن تبيحَ حكيمةٌ هذا النزيف!
وحقيبتي في الكفِّ آخرُ ما تبقَّى في يدي من بعد أن حلق الغزاة الملتحونَ قصائدي..
من بعد أن قطعوا الطريقَ على الطريقِ وأجبروها أن تكفَّ عن المسيرْ
قالوا لها:
"نحن الذين هنا نتاجرُ، رحلةُ الصيفِ المليئةُ بالركامِ، بكل أشلاء الصغار، غباؤنا، وشتاؤنا الثلجيُّ فوق قلوبكم، والشمعة البلهاء في حفل الشواء، شواء أطفال المخيم، كل ذلك ملكنا، كفي عن البيع الرخيصِ، توقفي، نحن الطريقُ ونحنُ قطاع الطريق ونحن ناصيةُ القضاءِ، ونحنُ نحنُ وأنتِ نحنُ، ونحن أنت".
قالوا كذلك فانتقمتُ لغيظ حبري واعتقالِ محابري، وقمعتُ إصرارَ الحقيبةِ أن تظلَّ على المدينة صابرة، وأمرتُ أمضي بالحقيبةِ ريثما يمضي الغزاة.
وتذكري يا شنطة الشعر السميكةَ أنني والحلوةَ القمحيةَ الهيفاءَ غادرنا المدينةَ ذاتَ يومٍ واقفَينِ بلا حراكْ.. في ذلك الركن البعيد.
وتذكريها حين أوجعها الفراق
وتذكري أني هروبًا من مآقيها التي فوق الطريق أغادرُ الآن الطريقْ
وأغادرُ الطفلَ الذي هو صورتي بين الأزقة لم يزلْ، أو لن يزولْ
وتذكري بينا نسيرُ على سواحلَ موحشاتٍ أنني في لونِ طين البحر أُبصرُ لونها فأخافُ مما لم تقُلْ.
وتذكري يا أختيَ الصغرى أو انسِي هذْريَ المشقوقَ ألفَ شظيَّةٍ تحت سكينِ المجاز.
فالأمرُ أمرُكِ، حرةٌ أنتِ ابتداءً لا انتهاءً بعد حادثةِ الرصيف..
سيري بقربي دائمًا حتى أدوِّنَ ما أخبئُ..
ذاكَ شعري، ذا صُراخ حقيقتي
إن الذي أخفي هو الشعرُ الصريحْ
لا ما أبوحُ بهِ إذا نادى العريف!
قولي وداعًا للمدينةِ يا حقيبةُ، سامحيها..
وتذكَّري أنثى السماءِ الحانية
بنتَ الغيوم المشتهاةَ الفاكهيةَ والتي شاخت كقلبي مرتين
حينَ افترقنا ثم حين دسستُ كلَّ محابري بحقيبتي وقضمتُ أطرافَ المدينةِ في الوداع.
قالت: أقلُّ الوصلِ أن نتقاسمَ الأنفاسَ في قلب المدينة ذاتِها
وتكونَ أسمى أمنياتي أن يطيرَ زفيريَ المشتاقُ في رئتيكَ محضَ مصادفة
وقله أن تستحم بشهقتي عند المساء إذا رَمَتها في طريقك قبَّرة
ستفتش الدربَ الطويلَ القبَّرة..
أتريدُ أن تُعيي جناحَ القبَّرة؟
قلتُ الطريقُ طويلةٌ قد بات يسكنها الغرابُ المنزليُّ كثكنةٍ سوداءَ..
والأرض صاحبتي تريد قصيدةً تصطادُ آثامَ الغرابِ بقوةٍ.
ولسوف تحضنني المنافي كي أصوغَ قصيدتي، وأعودَ ألقيها على وجه الغراب.
قلتُ ابعثي عطرَ السلامِ مع القصائدِ، إنَّ كلَّ الأرضِ في نظرِ القصائدِ واحدة
والقبَّراتُ كما الحقائبُ سوف تفهمُ ذات يومٍ ما فعلتْ
والركنُ سوف ينيرُهُ متعانقانِ تحديا قهرَ الغرابِ المنزليِّ ولم يكونا مثلَ قلبي قابضَينِ على جنين حقيبةٍ، ومهاجرَين.


هطول
هطولًا يا سماءُ على المعنّى
أما تدرينَ أن الغيم عودٌ
وأن الرعد دفٌّ قد تخفى
وأني كنتُ صبًّا ذات يومٍ
تهدهدني دفوفُ الريح حينًا
فأجلسُ قرب دف الريح نايًا
وتطرقُ بابَنا بنتُ الأماسي
وأشعارًا وضحكاتٍ خيالًا
ويجلسُ قربَنا المشوارُ شيخًا
جليلَ الشيبِ ساهمَهُ طويلًا
يقولُ الغربةَ الأولى سريعًا
كأنَّ الغربةَ الأولى سيوفٌ
نُناوشُ هاجسَ التحنانِ فينا
نُجَنُّ بصولةٍ قدامَ ذكرى
أدندنُ ساعةً أنا والليالي
ونشربُ دِنَّ ذكرى من جديدٍ
فنهطلُ كاتبينَ الحبَّ دمعًا
هطولًا يا سماءُ، هرمتُ شوقًا
على أنِّي أغالبُ دمعَ شعري
وأعدو خلفَ موجِ البحرِ ريحًا
وكم آنستُ في الأمطارِ نارًا
ولي في حفلة الإمطارِ عرشٌ
جيادٌ في ربوع الحرف تجري
فإن ضنَّت عيون العقل يومًا
وغني القطرَ أحسبُهُ يُغنّى
إذا لمَسَته كفُّ البرق أنَّا
بكف سحابةٍ تمشي الهوينى
وما زلتُ المتيَّمَ والمعنى
وتغلقُ بابَ ذكرانا علينا
وأتلو قصتي عزفًا وفنَّا
طيوفًا راقصاتٍ ذُبنَ حزنا
وكأسًا من غرامٍ قد شرِبنا
وَقورَ الأمسياتِ ومطمئنّا
كأنّي عشتُهُ في الحبِّ قرنا
ويروي آخرَ الغرباتِ لحنا
وأنَّ اللحنَ قد أضحى مِجنَّا
فيُردينا ونرجعُ كي نحِنَّا
وتهزمُنا فنرجعُ كي نُجَنَّا
وساعاتٍ مع الطيفِ المُكنّى
وتشربُ بعدَنا الأمطارُ دِنَّا
وتهطلُ كاتباتٍ ما كتبنا
ويكفي الشوقُ كي نبدو هرمنا
وأجني منه صبرًا ليس يُجنى
وهل تجديه ريحٌ حين يفنى؟
ولي قبَسٌ أتيتُ بهِ مُحنَّى
قصائدُ صافناتٌ تِهنَ حُسنا
وتنهلُ من عيونِ العقل عَدْنا
أجَزتُ لها دماءَ القلبِ عينا



الريح، نحن، البحر..
صفيرُ الريحِ قاسي اللحنِ جبليٌّ
وهذي الريحُ عندَ العصفِ مجنونة

وجيشُ الريحِ ذو صخَبٍ، كأنَّ الريــ
 حَ لا تدري بأنَّ الأرضَ مســكونة

منازلُنا بعيـــــنِ الريــــــحِ أُحجيةٌ
منَ الأحجارِ تحت الغيمِ مدفـونة

شوارعُنا ثعابينٌ، أمانينا مراجـيحٌ
أغانينا بدربِ الريــــحِ أيقـــــــونة

وأما البحرُ، تدري الريحُ ما "بحرٌ"
فبُحَّتُهُ كصوتِ الريـــحِ مطعـــونة

وصَفرُ البحر قاسي اللحنِ جبليٌّ
وروحُ  البـــــحـــرِ عــــــند العــــــــصفِ مــجنــــــــونــــة


مشوش

يا أيها الوطنُ المحدَّبُ، يا إمامَ القافلة.
يا شيخَ كلِّ المُتعَبينْ.
يا من هلَكتْ.
يا من تقومُ إذا هلكتْ.
إني صغيرُ المتعَبينَ أسيرُ خلفَكَ مثلَ ظلِّ السروِ؛ أمشي دونَ مشيٍ، ساهمًا، متوازنًا لكنني عما قريبٍ سوفَ أهوي في يدِي.
ماءٌ بحلق يمامةٍ فوقي.
وهذا الغيمُ لي.. وأنا الظمأ.
والسروةُ العظمى لنا وأعيشُ في أطرافِ هذا الإخضرارِ مهمَّشًا.
في الشمس أنحتُ ظلَّنا.
ماذا تريدْ؟
أين الطريقْ؟
أفما تعبتْ؟
حدِّق بنا، لا تلتفت، حدِّق بهم، لا تلتفت، سرْ للأمامِ وللوراءِ، هنا هناكْ.
...
..
.
عفوًا.. أنا...
إنَّا أنا.. إنا أنا.. إنا نقيمُ مشوَّشينَ ككأس خمرٍ في خزانة ناسكٍ.
لا.. لا عليكْ!
لا تكترثْ.


إلهام

ما أضيقَ الإلهامَ حين يزورُنا
طفلًا يكونُ..
ويا عناءَ التربية.

صعبًا حَرونًا جامحًا..
مستهجنًا أنَّا نحاولُ حبسَهُ في أغنية.

محمد الصغير، أنا والبيتُ الأول.. والأخير.
بيتَ الصبا إن لُذتُ يومًا حائرًا
بجنابِكَ العالي، فهل تتبسَّمُ؟

إني هنالكَ قد تركتُ محمَّدًا
طفلًا، وجئتُ إلى المدينةِ أهرُمُ

وأخذتُ موثقَ حجرةٍ مهجورةٍ
أن تحرسَ الطفلَ الذي أتوهَّمُ

صوتًا يُعادُ إذا الظهيرةُ أقبلَت
ظلًّا ينامُ إذا الظلامُ يخيِّمُ.











ضفة موقف
وحدي بضِفَّة موقفٍ، والنهرُ لي
وأخافُ مما لم تقُلْهُ لنا الرياحْ

سرِّي وسرُّ النهر أنَّا لا نرى
في الضفة الأخرى ظلالًا للصباحْ

- هذا نَشازٌ يا ابنَ ماءٍ جارحٌ
فيقولُ صبرًا يا ابنَ طينٍ في الجراحْ!










عكا، كنعان
عكــا صبيَّتُنا الشــــقيـــةُ، لم تــــزلْ
تتســلقُ الأســوارَ، يغبِطُــها الثَّــرى

وتُطــلُّ حِينًــا من نوافـذِ سُــــــورِها
وتغيـبُ أحيــانًا إذا كثُـــرَ الــــورى

ويبــوسُ تزجـرُها وتُكمــلُ شُغلَـــها
تشـكـو إلى جرزيــمَ أفعالَ القُـــرى

في دربِ كنعــانَ انحنيــتُ مخـاطـبًا:
يا جـــدُّ كحِّـلنــي برمـلِكَ كـــي أرى

وســـألتُ هامــاتِ المدائنِ صفحَــها
إني هجــرتُ ولم يجُــز أن أَهجُـــرا

حَيْفـا ودرويـــشُ اســتقاما في يــدِي
ظِلَّيــنِ للأبنــوسِ في غابِ الكـــرى

وحِســانُ كنعانَ اســتقمْنَ على الرُّبا
كالسنديانِ، فحِرتُ: مَن أعلى، تُرى؟

ونَثَرْنَ شَــعْرًا فوق أكتــافِ المــدى
وجلسْـــنَ يغزِلـنَ المساءَ لمن سرى

ويبــوسُ فوقَ التــلِّ تطهو غيمـــــةً
عيـنٌ على عكــا وعينٌ في الــذُّرى!








الفرحُ الخائن!

ستظلُّ تبحثُ في الخُطى عن أهلِها هذي الطريقْ؛
من يحزنونَ لحُزنِها،
ويرددونَ إذا يصيبُهمُ الفرحْ:
"يا أمَّنا، أفراحُنا هذي حماقةُ طبعِنا،
لحماقةِ البشريِّ أن تسري بمعدنِنا العتيقْ،
لكنَّنا، خجلًا من الجوعِ المحلِّقِ فوقَ أكتافِ الشوارعِ، نكتفي بثيابِنا
ونقسِّمُ الأفراحَ كسْراتٍ على جوعِ الصغارِ الخائفينْ،
لتظلَّ تُبصرُنا كبارًا لو بكتْ..
عينُ الطريقْ"


ريحٌ في العشرين
عندَ الصباحِ تعيدُ الريحُ نظرتَها
فوقَ الشواطئِ والأحراشِ والضِّيَعِ

"ماذا فعلتُ؟" وكان الليلُ أسكرَها
قبلَ الهبوبِ فضاق العصفُ بالوجعِ

ظلت تعبُّ دنانَ الليلِ سائرةً
بين الأزقة سيرَ العُميِ في الوسعِ

طافتْ تُمازحُ موجَ البحرِ في طربٍ
علَّ التماوج يَحني وجنةَ الجزعِ

والليلُ كانَ طوالَ الليلِ نادلَها
"- هلا روِيتِ؟" "- ولكن ما ارتوى وجعي"!












ألف طريقة


للصمت ألفُ طريقةٍ حتى يقولَ مرادَه..
أما الكلامُ فواحدة!
نظارتي
نظــارتي! هل يكتـبُ الشـعـراءُ في
نظارةٍ؟ لا غروَ، تســندُ عثــرتــي!

وتشـــدُّ أزرَ النـورِ حـول تأمـــــلي:
يا نورُ ثابـرْ فوقَ هذا المنصــــــتِ

وتُحايلُ العيـنَ الســقيمةَ كي تـــرى
ما قــد تبقَّـى من بقــايــا رحلتـــــي

ترمـي وضـوحًا في طريقـي كلمــا
أغفلتُ حظي من وضوحِ مســرَّتي

فـكــأنـــها راوٍ وعيـنـــي طـفلـــــةٌ
وكأننـــي إذ ذاكَ أغبــطُ طفلتـــــي












طعام القلب


وغـــــــذاؤنا يا صـــاحـــــبي مــــاءُ الرضــا
وبه نغمِّــــــس كســـــرتين مــــن الأمــــلْ!

نزاع
ولملمَ ليلُنا خبزَ الحَكايا
من الطرقاتِ واستلقى يغني

فقالَ الصبحُ (خبّازُ الحكايا):
هنا أُلقِي حكاياتي وفني

أُعتّقُ همسَ عشاقٍ وأطهو
ظلالَ العابرين بماءِ حزني

وهذا الليلُ قطٌّ من ظلامٍ
يلوك حكايتي في الليل عني

فيصبحُ دربُنا في كل يومٍ
كأنْ لا أمسِ كان ولا تمنِّ!












حظ الرمال
هذي القتامةُ في ظلالِ الآدميّْ
يِ ورعشةُ النورِ التي حولَ الظلالْ

خوفٌ يهزُّ النورَ يُثقلُ روحَهُ:
ماذا تريدُ من الطبيعةِ يا زوالْ؟

ظلي ظلامٌ جاحدٌ فوقَ الثرى
ضاقت به الأنوارُ ذرعًا حين طالْ:

- يا أيُّها المختالُ فوقَ كمالِنا
ألقيتَ نقصًا كاملًا فوقَ الكمالْ

- أنا وافدٌ يا أرضُ.. أعلمُ أنني
في عقلِكِ البطنيِّ أضغاثُ احتلالْ

حظي من الرملِ انتصاري فوقَهُ
وهزيمتي في قاعِهِ.. حظُّ الرمالْ!



أنا أملي!
ما انفكَّت الآمـــالُ تلقـــي درسَـــها
في خاطري حتى غدوتُ لها الأملْ

وغدوتُ أقتحـمُ المخاطـــرَ قبلَـــها
فتقولُ "لا"، بينا أقــولُ أنا "أجل"!



مثنَّى
يا ليلُ رفقًا بالمثنَّى في دمي
كلُّ المثنَّى رُمتَه بي مفرَدا؟

حتى إذا أفردتَني أشرقتَ لي
وبكلِّ تثنيةٍ رأيتُك أســـــوَدا







عقد السنين.. الباغي
قدّي لنا عِقدَ السنينِ وبعثري
خرزاتِهِ، أبقي السنينَ الغالية

تلك التي كانت متونًا من هوى
في قاعِها رقدَت سواها حاشية

قولي لعِقدِ العمرِ خيطُكَ قد بغى
ساوى مليئاتِ السنين بخاوية!


القبطان الأعمى، والقبطان الكفيف

يا أيها القبطان حدِّق في يديكْ.
أنا قارئُ الكف الكفيف:
صاريك تكسره الرياحُ القادمة
وتموتُ في ركنِ السفينةِ فجأةً..
وأموتُ من فرطِ النزيف.
قف هاهنا، وارأف ينا!
هذا البعيدُ على طريقِ البحرِ ليس جزيرةً
هذا سرابٌ آخرٌ..
هذي جُروف!
أنا لا أخافْ.
أمضي لقاع البحرِ دونَ مهابةٍ
سيانَ هذا الموتُ والعيشُ السخيفْ.
لكنما، هذي السفينةُ طفلةٌ
ومقدسٌ قنديلُها بين المناراتِ القديمةِ..
موتُها ذنبٌ مخيفْ!

سيحيا الفيلسوف!
هي لامبـالاةُ الطريــقِ إزاءَ رمــــ
ـلٍ عابرٍ يلهو على وجهِ الرصيـفْ

ضحِــكٌ بلا ســـببٍ بمقبرةٍ عفَـتْ!
حزنٌ على غصــنٍ يئنُّ بلا حفيـفْ

عـدمُ اكتـراثٍ.. أو نــزوعٌ مــارقٌ
نحوَ السخافةِ.. غـارقًا فيما تعوفْ!

هـذا اختــلاطٌ يا صديقــــي رائــقٌ
خمــرٌ مريــرٌ بَيْدَ أنَّ لـــه صروفْ

قـــل للحيــاةِ: إذا أردتِ بــيَ الأذى
أدميتُ قلبَـكِ بالبــلادةِ والعُــــزوفْ

ومضيتُ، أَمسي لم يعُد في حوزتي
كحــقيبـةٍ منســــيّةٍ فــوقَ الرُّفــوفْ

كَفِّي تعضُّ على غَدي في سَـــطوةٍ
وتقولُ للدنيــــــــــا: سيحيــــا الفيلســـــــــــــــــــوفْ


بنت القلب
أبنتَ القلــبِ ما أحلـى الثنايا
وبســـــماتٍ أتهنَ القلبَ تيها

وإنــــي لذتُ في عينيكِ منها
هروبًا من حمى عينيكِ فيها!

ولم أحفـلْ بعقلــي حين ألوَى
بســاح الخـدِّ مجنونًا ســـفيها

وأُطلـقُ جُنـحَ عيني مثلَ طيرٍ
يحلِّـقُ في الخــدود وما يليها

يُحيطُ مسـاحة الوجه امتلاكًا
ويعلنُ دولــةً للحُســن فيهـا!



الرؤى

حَيِّ الرؤى، قل يا رؤى: شكري الجزيلْ
متســـــــولٌ فرَحي بها ليلـــي الطــــويلْ

وأقـــولُ: ماضـــيَّ الذي فــي خاطـــري
وتقـــولُ: خذ ما تبتغــي، يابْنَ الســـبيلْ!









نصر!
قــل للصبـــاحِ: هزمــتُ الليــــلَ يـا فَلَــــقًا
واسطعتُ أصحو، وذي الأسلابُ: أحلامي!

أروي حكــايتَـــــها، لا نقـــصَ أو خــلـــلًا
والشــــعرُ يُنصـــتُ كالأطفـــالِ قُــدَّامـــي

للمـــــــرة الألــــف أنجـــو من غَيــابتــــه
جُـــبِّ المنــــام عميــقِ الســــــاقِ والهــامِ

هـــذي يـــــدايَ وقلبــــي، كـــلُّ أوردتــي
عيني وصوتي، نَجَـتْ، حبــري وأقلامــي

أطــوي صحـــائفَ ذاك الليـــلِ منتشـــــيًا
والليـــلُ يطوي -كســــيرَ العَيـــنِ- آلامـي













الغيم الزائر
قــل للمدينـــةِ إن الغــيــــمَ صـاحبُنــا
آتٍ يعودُ ســـقيمَ العشـــبِ في عجــلِ

شـــيخٌ جلــيلٌ كلــونِ الليـــلِ بُردتُـــهُ
والشيبُ زيَّــنَ حــدَّ الوجــه كالحُـــلَلِ

مُدِّي الـهواءَ بســـــاطًا تحت مِـشــيتِهِ
وادعي الوجوهَ: كهولَ الرملِ والطـللِ

صبي الشرابَ: قصيدَ الطقــسِ أطيبَهُ
صبًّا وئيدًا و"خلي" البــدءَ بالغَـــــزَلِ






أنت!
فكأنما هذي الحياةُ حبيبةٌ
كانت لأجلِكَ تلبسُ الفيروزا

حتى إذا غادرْتَ نضَّتْ حُسنَها
وبدَتْ بعين الناظرينَ عجوزا







...

من قــالَ إنَّ كلامَـنا فيه الشــفا؟
بات الكــلامُ به الردى والبــاسُ

فـإذا تلاعـبَ قردُها بأســــودِها
أضحى الزئيرُ أسـىً له أجراسُ!











يمامة
أنا يا صديقــي ها هنا كيمــامةٍ
نَوَتْ الرحيلَ وأضمَـرَتْه طويلا

فرأتْ فضاءً في طريقِ رحيلِها
يُضفي على جُنح اليمامِ صهيلا

فنوت تقيمُ على بســاطِ هديلـها
زمنًا وتُزمعُ بعد ذاكَ رحيـــلا








جيش المرسى القديم
"في ثماني أعمدةٍ، هي ما تبقت من مرسىً قديم!"
حُرَّاسُ مرســـــى البـرِّ! آخـرُ زمـــرةٍ
وقفَـتْ بوجــهِ المــاءِ مثلَ الصـاريــــة

كانوا مئـاتٍ، ثم صاروا في الوغـــــى
بيــــدِ الـرزايـــــا والميـــــاهِ ثمـانيــــة

غزت الملوحةُ رأس قائدهم، مضـــت
برفيــــقِ خامسِـــــهم ميـــــاهٌ عاتيـــة

لكتيبــةِ المرســــى الأخيــــرةِ ينـحني
شعـبُ المراسـي في احتفـــالِ الجالية!

 تمضي المراسي كي تمارسَ عصرَها
تحــيـــا بســـــلمٍ والميــــاهَ الجاريــــة

وتظــــلُّ أشبـــاحُ الكتيبــــةِ وحـــــدَها
تحشــــو بقصتِـــها الليــالي الخــــالية

تبكــــي عليـــها أمــهـــاتُ زمـــانِــها
ويهيــمُ فيهــــا من طــوَتهُ الهــــاويــة




عتب!

إن الذي هو بيننا عتبٌ على
عتبٍ على عتبٍ فموتٌ للعتابْ

حتى إذا مات العتابُ ذوى بنا
ذِكرُ المعاتَبِ ثمَّ واراهُ الغيابْ







ظل
علوتُ تساؤلي ومضيتُ ليلا
لعلي أقتفي للسرِّ ظِلَّا

وظبيُ النورِ حولي كلَّ صوبٍ
فإن ما رُمته عني تولى

ولا أدري أعمْدًا لم يُعنِّي
بُراقُ السؤلِ أم قد خابَ سُؤلا

وسرتُ، لجامُ فكري في جِناني
عزيزُ الربط، في كفَّيَّ ذَلا

وجُزتُ قوافلَ الأفكارِ فذًّا
وعاشرتُ العقولَ عِدىً وأهلا

وتبّ اليأسُ من صحراءِ موت
أنختُ بها مرارًا، كدتُ أبلى

وكانَ السرُّ يهمسُ كلَّ ظعنٍ:
-وكنتُ أظن صوتَ السرِّ أعلى-

ألا في اللهِ ما ألويتَ ترجو
وظبيُ النورِ أنتَ، دنا، تدلى

وأنت الظلُّ إذ مولاكَ شمسٌ
وهل يقفو خيالُ الظلِّ ظِلَّا؟!






بعثري

ستمَلُّ من شكلِ القصائدِ يا فتى،
ومنَ الرتابةِ في انتظامِ الشعرِ أعمدةً كطابور الصباحِ المستفِزْ!
ستملُّ من "ليغو" الكلام تفكُّهُ وتركِّبُهْ.
وتقولُ: كُفِّي عن هرائِكِ يا فتاةَ القافية،،
جُبِّي ثيابَ الانتظامِ وبعثري في الريح شَعرَكِ..
لا مقدَّسَ في القصيدةِ..
أو قواعدَ قاسية!

غياب

قل للغيابِ: "أجلْ أغيبُ"، ولا تغِب
والجأ لروحي حين يُعييك الهرَبْ

أتغيبُ مثلَ الغائبينَ؟ ولم يكن
لكَ، -حاضرًا-  مِثلٌ وتذوي في التُّرَب؟!

أزرى بنا هذا الغيابُ ولم يكُن
من قبلُ يُزري بالمُدلَّلِ عن كثَب

واحتارَ فينا إذ يعزُّ طلابُنا
حصَدَ الذؤابةَ فاستقامَ له الغَلَب

يا سيدي، قل للغيابِ: "أنا هنا
فاحملْ متاعَكَ يا غيابُ، وأنتَ غِب"!












مزاج البحر

قاسٍ مزاجُ البحرِ يا عيسُ احترسْ
أنا من خبرتُ البحرَ أولَ ما عطسْ!

شمّتُّه والرملُ ينصتُ قربَنا
سمعَ التحية، ما تبسّمَ أو عبَسْ

قال الثرى: ولدي خطابُك طيبٌ
والبحرُ مغتربٌ، صَموتٌ محترسْ

ما ردّ في صبحي تحايا حرةً
أو صدّ جرحًا في مسائي محتبَس

حذِّر عشيرَ الرملِ واخصُصْ منهمُ
أهلَ القصيدِ إذا بهم يومًا همَسْ!










عتاب
لماذا يا صباحُ نسيتَ أنّا
تعاهدنا بمطلعِكَ المُعَنّى

على جري الزمان بنا سريعًا
إذا ما الحزنُ خيّمَ واطمأنّا

وقلنا -إذ تلوتَ العهدَ صبحًا-:
سنمشي عند فرحتنا الهوينى

فما للدهر يمشي مطمئنًّا
وقد ساد الصغير به وغنى

وأطفالٌ تقود الشيب قسرًا
إلى حتفٍ وتُقلق مطمئنا

وذو عقلٍ يخفُّ العقل فيه
وذو جهلٍ تعالى حين جُنّا

فعجِّل يا فديتُك واطوِ طيّا
صحافَ العمرِ وامضِ فقد مضينا

وآلُ الصبح نحن ففيم تبقى
وآلُك أزمعوا في الفجر بيْنا؟!









همزة

يا "همزةَ القطعِ" إذ حلَّت ب"أشواقي"

ما أجدرَ "الوصلَ" بِ"الأشواقِ" إلحاقا







بذرة
إن القصــيدة بـــذرةٌ فاختــــرْ لهـا
أرضًـــا تليقُ، وكنْ لغرسك مؤنســـا

واجعلْ سِقايتَـها قصـــائـدَ مثلَهــــا
تُتلى عليها في الصباحِ وفي المسا

حتى إذا نَـمَــتْ القصيدةُ وانحـنت
لتبــوسَ قلبَــكَ فابتعــد متوجســــا

أما إذا حــانَ القِطــافُ فقــل لهــا:
هيا اقـطِفيني! واقتــرِبْ متحمِّســا

وتموتُ مأخوذًا بشِعــرِكَ راضيًـا
والشعـرُ يُلقي فوق قبرِكَ نرجسـا



أنا وأنا

وبي قلــقٌ كأنّ البحـــرَ يســكنُني
وبــي صبــرٌ كـأنَّ القلـبَ أيــوبُ

أهَدْهِــدُني كطفـلٍ قد جـفاهُ كـرى
فبعضي الداءُ بينا البعضُ تطبيبُ







ناي

أشتاقُ قلبًا رَقَّ من وقعِ الأسى
ســـهلًا قريبًا.. ليّنًا مهما قســا

يبكي وصالًا مثلما يبكي نَوىً؛
نـايٌ يئــنُّ إذا عَـلا أو نُـكِّســا











بنيامين حكايتي

وجعلتُ وجهَك (بِنيَمينَ) حكايتي

أسْرَقْتُـهُ قلبي لكي أستأنِســا!








شبيهه

وعلامةُ الشوقِ التِماسُكَ وجهَهُ
في كل وجـهٍ قد يكـونُ شـبيهَهُ

ويظنُّ من حدَّقــتَ فيهِ قصدتَـهُ
بينا قصــدْتَ بناظريكَ مثيلَـــهُ












دعيه لي
فلتأخذي كلَّ الفصولِ! فقط دعيـ
ـني يا طبيعةُ للشتاءِ.. دعيهِ لي

أنا من شتاءٍ وهو مني، من يُعا
دِلهُ سَحابًا أرمِهِ في مَقتلِ!

وطني شباطُ وُلدتُ في أطرافِهِ
ونشأتُ ريفيًّا؛ حصادي مأكلي

والنارُ سيدةٌ تصبُّ ضياءَها
في دارِنا، بُنًّا يُضيءُ بمرجلِ

والقَطْرُ جدي، شَيبُهُ من غيمِهِ
يبكي كصبٍّ ثمَّ يلهو كالخلي













بردة الشوق

- في بُردةِ الشوقِ هل ما زلتَ ملتحفًا
أم هل خلعتَ ثيابَ الشوقِ والأملِ؟

- أنضو وألبسُ، ذو حالينِ؛ مضطربًا
والشوقُ أوهنُ ما يُدفي من الحُللِ











المدينة الأم

هذي المدينةُ -قِيلَ- لا تخشى الوساوسَ والكلامْ
تحشو وسائدَها بقصةِ أمسها
تتلو المعوّذتينِ اتقاءً للقلق
وتقولُ للأطفالِ: ناموا يا صغارُ،
ولا تنام!

أنا والسمراء وهيثرو

بيني وبينكِ مِقعدانِ، وضابطُ الأمنِ الطويلُ ونظرةٌ..
عيناكِ من بغدادَ أما حزنُكِ الطاغي فأجهلُ موطنَهْ.
تلهو شقاوة رغبةٍ في طرفِ عينِكِ صامتة،
بينا بقلبي نيةٌ ألا أخوضَ الحبَّ أخرى، أن أكتفي من كل أنثى باشتعال قصيدةٍ في دفتري.
لن أقتربْ، لن أحترقْ،
لن ألتقي بغدادَ في شفتيكِ ثم أتوبَ من كل الذنوب.
بغدادُ تجلسُ قرب عيني، قرب قلبي، تشعلُ الكبريتَ في طرفِ القصيدةِ من بعيدٍ، تبتسم..
ويقول ضابطُهم بتاءٍ لندنيةَ: فاتِمة.. وتقول بغدادٌ: نعم..
أتقولُها عربيةً حتى ترى وقعَ العروبةِ في عيوني؟ أم تقولُ: أجل أنا ضاديةٌ يا ذا التساؤلِ والقلم؟
بغدادُ تلك طويلةُ القدِّ أيا مطارُ، فهل قرأتَ قصيدةَ الحسن الطويلةَ بين قوسي حاجبين؟
الخيلُ والليلُ الطويلُ هما تناثرُ شَعرِها في ناظري..
وجبينها البيداءُ، أما سيفُها عينانِ من لوزٍ كدجلةَ دافئٍ
قلبي هو القرطاسُ، نظرتُها القلمْ.
بنتَ المدينةِ أوقفي تلك الطريقَ وراءَ هثرو واسأليها كم لبثنا؟ ما لبثنا غيرَ قرنٍ من هوىً في لحظتينْ.
وبحثتُ عن طاءٍ نفاها الأجنبيُّ منِ اسمِكِ الحاني كما يومًا نفاكِ من الوطنْ.
ما ذنبُ طاءٍ مخمليٍّ نطقُها كالحبِّ شرقيًّا، تصيرُ بلا حياءٍ محضَ تاءٍ باهتة، يا فاطمة؟!
ما ذنبُها هثرو العظيم؟!
ما زلتُ أبحثُ في الطريقِ وراءَ هثرو عن تمرُّدِ طائِكِ السمراءِ تأبى أن تُلاك على لسانٍ أشقرٍ..
عن مِشية السُّكْرِ الرهيبةِ للذين تشردوا عن خمرِهم، وصلاتهم وتقاسموا تلكَ المسافةَ بينَ حاناتِ الطريق..
يا حانة النَّوَّاب إسفنجٌ كلامي يشربُ السمراءَ والشعرَ القديمَ وحزنَ بغدادَ الفسيحَ وما يزالُ به ظمأ.
ما زلتُ أبحثُ خلفَ هثرو مرهَقًا
عما تراءى من هوىً في لحظتين..
ورأيتُهُ، طيرًا يرفرف بيننا متفرِّدًا..
لم أبصرْ الشرطيَّ الملوَّنَ بيننا والمقعدين.

خيانة

إن المساءَ يرى لنا ما لا نرى بينَ الجموعْ:
طفلينِ حين تعثرَت ساقاهُما ضحِكا طويلًا..
ثمَّ قامَ عن الثرى أقواهما ليصُدَّ دمعةَ صاحبِهْ..
ذاك الذي ضحكَ اصطناعًا للرجولةِ في البدايةِ..
ثمَّ خانتهُ الدموعْ.

شطرٌ ناقصٌ غرزة..

وماذا بعدُ يا سُمَّانةَ الدنيا؟
وماذا بعــــدُ يا غـــــــــــــــــــزة؟
   
سأغزلُ شطرَ هذا الشعرِ مكتملًا
وشطــــــــرًا ناقصًــــــا غُرزة

كشطرِ العمرِ أمضيناهُ مبتهِجًا
وشطرٍ غائــــــرِ الوخـــــزة












أدري..

أدري بأنَّ الريحَ عصفٌ عابرٌ..
وبأنني..
           بعضُ الطريقِ القاحلةْ.

لكنني أُحصي جميعَ العابرينَ..
وأزرعُ التاريخَ شعرًا..
                      في طريقِ السابلة!

قيد الكفاح..

نامت على أملِ البقاءِ أو الذهاب..
سيانَ عندَ مدينتي.

لما تثاءبَ غيمُها في الفجرِ قالت:
"إنَّ أجملَ ما يكونُ هنا بقاءُ الطفلِ حيًّا في الصباحْ..
وبقاءُ ضحكتِنا على قيدِ الكفاح".

إلى روح البحر..

ضاقت عليَّ وقد قصدتُكَ شاكيًا
فأْمُرْ جموعَ الموجِ بالإنصاتِ

قل للمويجةِ يا بُنيَّةُ أحضِري
شايَ الحديثِ ونظفي الناياتِ

قل للمويجةِ يا بُنيَّةُ قد أتى
صحبي جميعًا حين حلَّ الآتي

وابسُطْ لنا هذي الرمالَ صحائفًا
إنَّ الرمالَ كتومةُ الصفحاتِ

واكتبْ بمائِكَ يا صديقُ قصائدي
وامسحْ بمائِكَ في الدجى أبياتي

 سيانَ ماؤك كاتبًا أو ماسحًا
أيُلامُ ماءٌ حين تعْبَثُ ذاتي؟

وتئنُّ في صخَبٍ وأكتمُ آهتي
زَبَدٌ أنينُكَ والمدى آهاتي

والماءُ حِملُكَ ما أخفَّ ثقيلَهُ
حِملي الثقيلُ؛ فقد حملتُ حياتي!










قلبان..

شيخٌ يصلي باكيًا..
يمشي ويتلو في الطريق "إذا سجى".
طفلٌ على جنبِ الطريقِ رجا رجاءً..
ثمَّ ضيَّعَ ما رجا
وأنا هنالِكَ..
بعضُ روحي من ضياءٍ..
والبقيةُ من دُجى
قلبينِ أُخفي؛
قلبَ من يتلو الكتابَ، وقلبَ من فقدَ الرجا.

ضياع..

يَمَنَ الكرامِ تحيةً وسلاما
رُمتُ الحديثَ فما وجدتُ كلاما

وقصدتُ مأربَ كي أزورَ فردَّني
أيزورُ مأرِبَ من يضيِّعُ شاما؟

يا سيِّدي كلٌّ أضاعَ بلادهُ
فكأننا نرِثُ البلادَ حَراما!













حقًّا؟

وأما الذي سوف يأتي، فيمضي جُفاءً..
وأما الذي كان يومًا..
فيمكُثُ في القلبِ غضًّا وطفلا.
وهذا الذي كانَ..
هل كان حقًا، وفي ضجة العمرِ والدمعِ ولَّى؟
أم الآن يجري؟
أم الصبحَ يأتي، بهيًّا كدُفلى؟
أنِمنا على كفِّ ذاك الأزل؟..
سُنَيَّاتِ غفوة؟؟
رأينا الذي (كان يومًا)؟ رأيناه رؤيا؟
ولم يأتِ إلا..
منامًا ورؤيا..
أحقًّا سنحصُدُهُ من جديدٍ إذا ما انتبهنا..
جليًّا محلَّى؟
أحقًّا سيغدو إذا ما انتبهنا..
من الأصلِ أحلى؟
وحقًّا سنحضُنُ ما كان يومًا؟
نقصُّ جناحيْهِ حتى يطيرَ.. إلينا.. إلينا
ويبقى على ضِفة الروحِ منَّا قريبًا قريبًا..
قريبًا وسهلا؟

عيد

صباحٌ ككفِّ الصغيرِ النديَّةْ
ومئذنةٌ تستجيرُ بطيرٍ يسافر قبل الشروقِ ليحملَ لله ترنيمةَ العيدِ منَّا هديَّةْ
وغيمٌ جناحاهُ كلُّ الطريق وبعضُ ابتسامٍ بأقدامِ طفلٍ
له حاجبٌ مستحيلُ انتهاءِ التبسُّمِ كالأبديَّةْ
صباحٌ به صخَبٌ من جمالٍ..
كشكلِ الثقافةِ في بُقعةٍ مشرقيَّةْ
هنا ينشأُ الحَرُّ طفلًا..
فتُلبسُهُ بَردَ حكمتِها الرياحُ الفتِيَّة.
هو العيدُ  صبٌّ يدندنُ منتظرًا صحوةَ الشمسٍ، مكياجَها.. كي يسيرا إلى فرحةٍ مُخمليةْ.
سُليمى..
لقد قالت سُليمى لي كلاماً
ولم تحفلْ بما قالَتْ سُليمى

وقالت: سوف تغفو بعد قولي
فما لاقيتُ مذ قالتهُ نوما

كلامٌ مثلُ شالٍ في هواءٍ
يُذيعُ العطرَ، أسكَرُ منه شمَّا

تمطُّ حروفَ علتنا نبالاً
وتجعل من سكون الحرف سهما

وكلُّ سلاحِ سلمى نصلُ قولٍ
ويرمي في الفؤاد وليس يُرمى!



















الوطن الذي.. يهاجرُ منَّا

حقًّا هاجِرْ.. أنا لا أمزحْ..
خذْ نسختَكَ من القرآن..
من الإنجيلِ..
منَ الألواحِ وهاجِرْ منا.
قل للدنيا إنك وطنٌ هاجَرَ سرًّا.
اسحبْ وجهَكَ من أسفلِنا
خذ ما شئتَ: صليبَ يسوعٍ.. ثوبَ محمدْ..
أولَ نقشٍ.. أولَ معبدْ
جثة آدم..
ورقةَ بردي سقطَت سهوًا من توراةٍ لم تتهوَّدْ
خذ جلجامشَ.. غابةَ أرزٍ..
ومعلَّقة لبيدٍ ليلًا من ذاكرةِ الحجرِ الأسودْ
خذ من تدْمُرَ طفلاً نطقَ الضادَ رضيعًا..
خذْ سكينَ الذبحِ ونظرةَ إسماعيلَ إلى الغيماتِ وخوفَ الهُدهُدْ.
لا تأخذْني..
لي معركةٌ سوفَ أمزِّقُ فيها ما أبقيتَ من التاريخِ.. من العربيَّةْ.
سوفَ أمزِّقُ ما أبقيتَ.. فخذ للذكرى حرفَ الضادِ.. وخذْ قاموسًا للعربية.
واهربْ منا.. نحنُ جُنِنَّا..
اهربْ منا
اهربْ منا!


كتمان..
وسَلْ قلبي عن الأشواقِ سرَّا
فإن لم يروِ لا تسألْهُ أُخرى

حديثُ الشوقِ لو تدري عصيٌّ
وبعضُ الشوقِ بالكتمانِ أَحْرى


















 ما زلنا..

تقول الجدةُ الحدباءُ:
ما زلنا لنا قمرُ
وإنا لم نزل أيضاً.. لنا بصَرُ
وما زالت سنابلُنا تجيدُ الرقصَ في الوادي
وما زالت لنا شفتانِ..
نرسم فيهما عودًا له وترُ..
وهذي الكومةُ العظمى من الآلامِ.. هم أطفالُ رحلتِنا
أنتركُهم وننكسرُ؟
أنا يا صاحبَ الآمالِ والأشعارِ لستُ كبيرةً جدًا
فضعْ فوقي جميعَ الهمِّ والعتمَةْ
وراقبْ طفلَك الوطنيَّ واصبر مثلَ من صبروا
فهذا الهمُّ سوف يكون يومًا زِندَكَ الأقوى
وفيه تُفاخرُ الأقوامَ حين الناس تفتخرُ.


شوق

نظَراتُنا شِعرُ القلوبِ تقولُهُ بالرمزِ لا التصريحِ
وأنينُنا إلقاؤها متأرجحًا بين الصَّبا والريحِ
والحبُّ أن ترضَى الغيومُ من الهُطولِ بِرَشَّةٍ
فكأنها ستعانقُ الصحراءَ بالتلميحِ!

عبث

يرهقُني الصَّخَبُ العبثيُّ بهذي الباخرةِ الحمقاءِ..
وأُبصرُ سخريةَ القاعِ الأبديِّ الهادئِ مني
في كلِّ شراعٍ أرفعُهُ!

مطر

وتظلُّ تهطُلُ متعَبًا في كلِّ عامْ
ونظلُّ نهطلُ متعَبَيْنْ.
نمشي ونُقسمُ أن نظلَّ محلِّقَيْنْ
فنظلُّ نهطلُ متعَبَيْنْ.
قد علَّموك وعلموني منذ كنا قطرتَيْن:
"لا يأس مع هذي الحياة".
كنا صغارًا يا صديقْ!
ونظنُّ أنَّ اليأسَ يشبهُ أن تملَّ اللهوَ في وسَطِ الطريقْ!
فاهطلْ لآخرِ مرةٍ.
...
وأنا كذلك قد يئستْ..
لكنني سأظلُّ أقتحمُ الطريقْ!

أول الخلق.. أول الأوطان..
على رَسْلِها تستجيبُ السماءُ
وكلُّ الذي في أكُفِّي دعاءُ

أجيبي أيا خيمةَ الكونِ سؤلي
فصبري صحارَى وعيناكِ ماءُ

وأنتِ البلادُ التي شاهدَتني
صبيًّا من النورِ ثوبي الهواءُ

وطبَّبْتِني من جميعِ الرزايا
وما كانَ طبٌّ ولا كانَ داءُ

ونبَّأْتُ كلَّ الخلائقِ باسمي
وأنِّي زفيرُ الإلهِ المُضاءُ

فَخَرّتْ على نورِ عيني سُجودًا
فأغمضتُ عيني وكلي حياءُ
وحمَّمْتُ في واحةِ الشمسِ ظلي
وأرسلتُ صحوي إلى ما يشاءُ

ونامَ السناءُ الذي جئتُ منهُ
وقد راعني أن ينامَ السناءُ

وهبَّ انتباهي على أرضِ جدبٍ
وثوبي ترابٌ وجوفي خِواءُ

وقد باتَ ظلي ظلامًا عتيدًا
غسيلُ الشموسِ البهيُّ المضاءُ

وصاحَ الذي في فؤادي دهورًا
فأبليتُ قلبي وبُحَّ النداءُ!















خلود

ويا ربِّ لو متُّ فاجعلنِ أشجارَ تينٍ على شاطئٍ من بلادي
وظلِّلْ ببسمتيَ الخشبيةِ طفلًا كبيرًا..
يغادرُ فصلَ الدراسةِ كي يكتبَ الشعرَ تحتي وقد ملَّ من نُدرةِ الشعرِ في كلِّ شيءٍ وفي كلِّ درسْ.
ودَعني أُصلِّ مع البحرِ -ليلًا- صلاةَ الطبيعةِ..
تلكَ التي كانَ شاعريَ المدرسيُّ الصغيرُ يحاولُ أن يقطفَ الشعرَ منها فلا يستطيعُ..
ولن يستطيعَ إذا لم يمُتْ ثمَّ يغدُ انبثاقًا جديدًا..
شجيرةَ تينٍ على شاطئٍ من شواطي بلادي.


على طرف مشهد..

أنا ذلك الهامشيُّ المحايدْ
شجيراتُ ظلٍّ على طرفِ مشهَدْ
على سور أعراف هذي القصيدةِ أمشي وأرقُدْ
ولي رغبةٌ بالتأرجُحِ تنوينَ ضمٍّ على شطِّ حرفٍ
وأهوى التقلُّبَ في كفِّ عاشقةٍ من حريرٍ مُمسَّدْ
ولكن.. أنا ذلك الهامشيُّ.. ظلٌّ على وجه طفلٍ
ودفٌ على طرفِ موقدْ
ولي كل حرفٍ على المتن لكن عن المتن أسمو وأبعُدْ
ولي روحُ هذي القصائدِ لا حرفَها
وأبقى أحوم على طرف فلسفة الشعر حرًّا مقيَّدْ
سأبقى كريحٍ على غُرَّة الغصن مرت سريعًا
وألقت أكُفَّ المحبين في بعضها ثم مرت
وضمت جميع القصائد في كُمِّ أمنيةٍ فاستقرَّت
وسارت بعيدًا بعيدًا بعيدًا.. وحامت كحارسةٍ من ضياءٍ..
على طرفِ مشهَدْ.

اعتراف

ستمضي وأمضي أيا شعرُ يومًا..
وتبقى الفراشاتُ تلهو على ضِفةٍ قربَ نهرٍ
ولا شيءَ غيرُ الفَراشِ ونهرٍ وموتٍ
وتفنى السماءُ التي في دواوينِنا.. بألوانِها..
وابتسامِ الملائكةِ التي قد رأينا..
ودمعِ السحابِ..
وعُصبةِ الشمسِ بينَ الغيومِ
ولكنها في السماءِ سماءٌ ولا شيءَ مما كذبنا هنا
سنمضي أيا صاحبي..
ليس يبقى هنا غيرُ ما قد رأينا صغارًا
ولا يفهمُ الكونُ ما قد هذينا كبارًا
سنمضي وتبقى قصائدُنا صورًا باهتاتٍ
وتبقى الأصولُ هنا في الخلودِ الطويلْ
فهيا نضمدُ ما قد رسمنا
ونمضي إلى حيثُ نصنعُ خُلدًا يليقُ بنا
فأولُ صفحةٍ في كتابِ الخلودِ -صديقي- الرحيلْ.

استقالة

يومًا سيكبُرُ طفلُ شِعري ثم يتركُ راحتي وسطَ الزِّحامْ
وسترتخي كفي وأنظرُ نحوَه دونَ اكتراثٍ.. لن أسيرَ وراءَهُ.
فسأستقيلُ من القصيدةِ حينما يمشي قصيدي وحدَهُ..
وسطَ الزِّحامْ.

سريرُ وطن

ستنامُ في قاعِ السنابلِ وحدَها
وطنًا عجوزًا طيبًا..
تطهو بقايا العشبِ في كفِّ الطريقْ
تُدني شعاعَ الشمسِ، تطردُ ظلَّ من مروا بأرحامِ السنابلِ عابثينْ
إن السنابلَ لا تضمُّ العابرينْ
إنَّ السنابلَ أقسمت تنسى جميعَ اللامسينَ وتذكرُ الكفَّ
القديمةَ والفؤوسَ الراحلةْ
ستنامُ في قاعِ السنابلِ ناسيًا أو ذاكرًا أو بينَ بينْ
لا فرقَ ما ضمَّتْكَ عينُ السنبلةْ
ستنامُ لكنْ لن ينامَ بَنوكَ في قاعِ السنابلِ مرةً أخرى..
ولن يأتوكَ إلا خائفين.


تعريف بالشاعر

وُلد الشاعر محمد العكشية بمدينة غزة في العام 1984، وأتم فيها تعليمه الأساسي ثم التحق بالجامعة الإسلامية بغزة لدراسة الهندسة المدنية وأنهى دراسته فيها في العام 2006، ثم حصل على ماجستير الهندسة المدنية في العام 2013.
عمل مهندسًا للطرق والمواصلات في وزارة النقل والمواصلات الفلسطينية منذ العام 2008 وحتى العام 2016.  يعمل حاليًا مديرًا لدائرة المواصلات بوكالة الغوث الدولية بمنطقة غزة.
له من الأعمال والأنشطة الأدبية:
أ‌. المطبوعات:
  مرافئ الشفق، مجموعة شعرية، غزة، 2007.
  هديل المدينة، مجموعة شعرية، غزة، 2012.
  ثورة الفلاسفة، مسرحية شعرية، غزة، 2013.
ب‌. المخطوطات
  أبناء دوثان، رواية قصيرة.
  2222، رواية خيال علمي.
ت‌. المسرحيات المعروضة على المسرح:
  عائدٌ إلى يافا، مسرح الهلال الأحمر، غزة، 2008.
  قبيلة النور، مسرح رشاد الشوا، غزة، 2010.
  فتح القسطنطينية، مسرح رشاد الشوا، غزة، 2012.



ث‌. عضويات
  عضوية نقابة المهندسين الفلسطينيين.
  عضوية مجلس إدارة ملتقى أصدقاء الأدب الفلسطيني.
ج‌. جوائز
  جائزة فلسطين للإبداع الثقافي عن مسرحية (فتح القسطنطينية)، 2011، مؤسسة فلسطين للثقافة، لبنان.
  جائزة فلسطين التشجيعية للإبداع الشبابي، 2011، عن ديوان (هديل المدينة)، وزارة الثقافة والشباب والرياضة، فلسطين.
  جائزة المركز الأول في المسابقة الأدبية الأولى للمهندسين، 2011، عن نص شعري، نقابة المهندسين، فلسطين
  جائزة المركز الأول في مسابقة القدس الدولية الإبداعية، 2009، عن مجموعة قصائد، اللجنة الوطنية للقدس عاصمة الثقافة العربية، فلسطين.




المحتويات

وصية المَطالع! 7
إغواء! 8
اعتذار 9
رمشاك 10
راهبٌ من صوت 13
أنا لي.. 14
نوستالجيا! 15
غبطة.. ظلامٌ في قلبها 16
لا تقترب 17
سلامٌ أيها الصمت! 18
عزلة، وفناء 19
صدى جرياني 20
ناثرٌ متناثرُ.. 21
سلامٌ، إلى بعيد.. 22
ظبيةٌ وخواء! 24
خطوة.. 25
ظل الروح.. 26
الرمل.. 27
إليها، إلينا، إلى لقائنا.. 28
عقوق.. 30
تيه، سامري.. 31
لا عناقَ ولا قُبل! 34
تراجيديا الأخوين آبيل.. 39
جدل.. 46
اغتصاب! 47
وهل كنَّا؟ 48
بيننا القبيحون.. 49
شقيق التلّ.. 50
ظلام، جبل.. 54
كسرٌ على ياء النداء 55
خطوة.. 56
المدينة.. 57
المدينة.. أيضًا 58
كانون 59
إليهما، والظلامُ يكبر 60
التلال المستقلة.. 61
إلى حنظلة 62
إلى حقيبتي.. شيءٌ من رائحةٍ ما 63
هطول 67
الريح، نحن، البحر.. 69
مشوش 70
إلهام 72
محمد الصغير، أنا والبيتُ الأول.. والأخير. 73
ضفة موقف 74
عكا، كنعان 75
الفرحُ الخائن! 77
ريحٌ في العشرين 78
ألف طريقة 79
نظارتي 80
طعام القلب 81
نزاع 82
حظ الرمال 83
أنا أملي! 84
مثنَّى 85
عقد السنين.. الباغي 86
القبطان الأعمى، والقبطان الكفيف 87
سيحيا الفيلسوف! 88
بنت القلب 90
الرؤى 91
نصر! 92
الغيم الزائر 93
أنت! 94
... 95
يمامة 96
جيش المرسى القديم 97
عتب! 99
ظل 100
بعثري 102
غياب 103
مزاج البحر 104
عتاب 105
همزة 107
بذرة 108
أنا وأنا 109
ناي 110
بنيامين حكايتي 111
شبيهه 112
دعيه لي 113
بردة الشوق 114
المدينة الأم 115
أنا والسمراء وهيثرو 116
خيانة 118
شطرٌ ناقصٌ غرزة.. 119
أدري.. 120
قيد الكفاح.. 121
إلى روح البحر.. 122
قلبان.. 124
ضياع.. 125
حقًّا؟ 126
عيد 128
الوطن الذي.. يهاجرُ منَّا 130
كتمان.. 132
ما زلنا.. 133
شوق 134
عبث 135
مطر 136
أول الخلق.. أول الأوطان.. 137
خلود 139
على طرف مشهد.. 140
اعتراف 141
استقالة 142
سريرُ وطن 143
تعريف بالشاعر 144
المحتويات 146


0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.