أضف تعليق
مقال عن العلامة عبد الحميد بن باديس للشاعر الاديب محمد عصام علوش 
(الحلقة ثلاث مئة وواحد)
الحديث عن الشَّيخ المجاهد العلَّامة عبد القادر الجزائري يقودنا إلى الحديث عن الشَّيخ المجاهد العلَّامة عبد الحميد بن باديس الصَّنهاجي رحمهما الله تعالى، فقد ولد الشَّيخ عبد الحميد في مدينة قسنطينة في الجزائر عام (1889م) وتوفِّي فيها عام (1940م) وبدأ تعلُّمه في الكُتَّاب القرآنيِّ، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثلاثة عشر عامًا، ثم التحق بجامع الزَّيْتونة في تونس، فتلقى العلم على يد طائفةٍ من علمائه الأجلَّاء، ليسافر بعد ذلك إلى المدينة المنوَّرة في رحلةٍ طويلة امتدَّت إلى مصر وبلاد الشام، فاجتمع برجال العلم والأدب هناك، وتعرَّف على القادة الإصلاحيِّين، ثمَّ عاد إلى الجزائر ليقاوم الاحتلال الفرنسيَّ، ويشرع في نشاطه التَّربويِّ في الكُتَّاب والمساجد وينخرط في مجال الصِّحافة، ويؤسِّس جمعيَّة العلماء المسلمين الجزائريِّين التي كان من أبرز أهدافها بعث الشَّعب الجزائريِّ من كبوته، وإصلاحه والنهوض به، وزرع القيم الإسلاميَّة السَّامقة في نفوس أبنائه، فتركت هذه الجمعيَّة أثرًا عميقًا في نفوس الجزائريِّين جميعًا، وكانت شعلةً وضَّاءةً في معركة تحرير الجزائر من المستعمر الفرنسيِّ الغاشم، وما يهمُّنا هنا هو الجانب الأدبيُّ كعادتنا، فالشَّيخ عبد الحميد كان حكيمًا، وكان خطيبا مفوَّهًا، وكان شاعرًا مطبوعًا يقوم شعره في كثير من الأحيان على الارتجال، كهذا النَّشيد الذي ارتجله في حفلٍ إقامته مدرسة التَّربية والتَّعليم بقسنطينة وقد جاء فيه: 
اشْهَدي يا سَما واكْتُـبَـنْ يا وجودْ 
أنَّـنا لـلحِـمى ســنـكـونُ الـجـنـودْ 
فـنـزيـحُ الـبَـــلا ونـفــكُّ الـقـيـودْ 
وَنُـنـيلُ الـرِّضا مَن وَفى بالعهودْ 
ونـذيقُ الـرَّدى كـلَّ عاتٍ كَـنـودْ 
ويَـرى جـيـلُـنا خافـقاتِ الـبُـنـودْ 
ويُرى جَـمعُنا لـلعلا في صعـودْ 
هـكــذا هـكـذا هـكــذا سَــنـعــودْ 
فاشْهدي يا سَما واكتُبَنْ يا وجودْ 
أنَّـنـا لـلـعــــلا أنَّــنـا لـلـخـــلـودْ
وفي حفل جمعية التَّربية والتَّعليم بقسنطينة ألقى بمناسبة المولد النبويِّ الشَّريف قصيدته المشهورة التي ردَّدتها حناجر الجزائريِّين لعقود من الزَّمان، وفي بعض أبياتها يخاطب النَّاشئة بأسلوبٍ مباشرٍ مفعمٍ بالحماسة فيقول:
يا نشْءُ يا ذخـرَ الجـزا ئـرِ في الشَّدائـدِ والكُرَبْ 
صدَحَتْ بلابلُكَ الفِـصا حُ فعَـمَّ مَجـمَعَـنا الطَّـرَبْ...
شعـبُ الجـزائـرِ مسلـمٌ وإلى العـروبةِ يَــنـتسِبْ 
مَن قالَ حادَ عن اصْلِهِ أوْ قـالَ مـات فـقـد كـذَبْ 
أوْ رامَ إدمـــــاجًـا لــه رامَ الـمُحـالَ من الـطَّلَـبْ 
يا نـشْءُ أنت رجـاؤنا وبـك الصَّباحُ قـدِ اقـتـرَبْ 
خُـذْ لـلحـياةِ سـلاحَـها وَخُضِ الخطوبَ ولا تهَبْ...
هـذا نـظــامُ حـيـاتِـنـا بـالـنُّـورِ خُـطَّ وبـالـلَّـهَـبْ 
هـذا لـكُـمْ عـهـدي بهِ حـتَّى أوَسَّـــدَ بـالـتُّـــرَبْ 
فإذا هلكتُ فصَيْحتي تحـيا الجـزائـرُ والعَـرَبْ
وربَّما كان أكثر ما يلفت النَّظرَ في شعر ابن باديس تأكيده على عروبة الجزائر ومعتقدها الإسلاميِّ الذي لا يمكن أن تنفكَّ عنه مادامت أرواح أبنائها في أجسادهم، فاستمِع إليه يقول: 
الحــمــدُ للهِ ثــمَّ الـمَـجْـــدُ لـلـعَـــرَبِ مَن أنجـبوا لـبني الإنسانِ خيْـرَ نبي 
وحـرَّروا العقـَل مِن جَهْلٍ ومِن وَهمٍ وحرَّروا الدِّينَ من غِشٍّ ومن كَـذِبِ 
وحرَّروا النَّاسَ من رقِّ الملوكِ ومِن رقِّ الـقـداسةِ باسْم الـدِّين والـكُـتُـبِ
قـوْمـي هُـمُ وبـــنـو الإنـسـانِ كـلُّـهُـمُ عـشيـرتي وهُـدى الإنـسـانِ مُطَّـلَـبي 
أدعـــو إلـى اللهِ لا أدعــو إلـى أحـــدٍ وفي رضا اللهِ ما نرجومن الـرَّغَـبِ
ومن جميل ما كان يتمثَّل به في الشَّيْب ـ والبيت لدعبل الخزاعي ـ على الرّغم من أنَّه لم يعش أكثر من نيِّفٍ وخمسين عامًا: 
إذا لم تـتَّعـظ بالشَّــيْبِ نـفـسي فما تغني عِظاتُ الواعظينا
قلت لصديقي: تهتمُّ بالشعر دائمًا، ولا تلقي بالًا للنثر أو للحِكَم! فسألني: مثل ماذا؟
فقلت: قوله: "إذا علَّمتَ ولدًا فقد علَّمتَ فردًا، وإذا علَّمتَ بنتًا فقد علَّمتَ أمَّة" ومثل قوله: "التَّضحية أوَّلُ شروط الرِّئاسة" ومثل قوله: "الجاهلُ يمكن أن تعلِّمه، والجافي يمكن أن تهذِّبه، ولكنَّ الذَّليل الَّذي نشأ على الذُّلِّ يَتعذَّر أنْ تغرس في نفسه عزَّةً وإباءً وشهامةً تُلحِقه بالرِّجال"... فقال: هذه المرَّة معك حقٌّ، فتبسَّمت.
محمد عصام علوش


0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.