قراءة أدبية في قصيدة الشاعر مصلح أبو غالي
للأستاذة /هدى مصلح النواجحة
يا صاحِ دعهُ إنَّه وَلِهُ
- قلبي - فنارُ الشوقِ تأْكُلُهُ
يبكي بداخلهِ الشتاءُ فكم
بالدمعِ قدْ خُطَّتْ رسائِلُه !
يشتاقُ من بالبعدِ عذَّبَهُ
هل للقتيلِ يحنُّ قاتِلُهُ ؟
ما زالَ عاذلهُ يعيشُ بهِ
فمتى سيرأفُ فيهِ عاذلهُ ؟
جار الزمانُ عليهِ وانهمرت
أحزانُهُ فالبعدُ يُثْقِلُهُ
ضلَّ الطريقَ عن الكلامِ فما
عرفَ المجازَ الحلوَ قائِلُه
والأرض ما عادت تسيرُ به
إلا ودربُ التيه ِ يحملهُ
فيه من المجهول ِ أرصفة ٌ
لترى الجميعَ إليهِ يدْخُلُهُ
يا صاحِ قلبي في غوايَتِهِ
َثَمِلٌ فكأسُ الشوقِ تُثْمِلُهُ
غابَ الذي بالأمسِ كانَ هُدىً
- ولظى الحنينِ لهُ يُضَلِّلُهُ
عَطِشٌ وليس الماء في يَدَهِ
- إلا الذي سكبَ السرابُ لهُ
غَرِقٌ ببحرِ المتعبينَ فمن
من قبضةِ الأيامِ يَنْشِلُهُ
حتى يجيءَ لهُ البعيدُ وقد
عادتْ لداخلِهِ دواخِلُهُ
ويخطَّ من حبرِ العيوِن بريداً ليسَ يُعْرَفُ من يؤَوِّلهُ
إهدأْ قليلًا لم يَعدْ وطنٌ
إلا الفراغَ الآنَ يُكمِلُهُ
فلقد تعرى للرياحِ وما
من غيمةٍ حُبلى تُظللهُ
دعْ عنكَ أخبارَ الفؤادِ وقل
أخبارَ معشوقٍ يُعلِّلُهُ
ما زال يبحثُ في الزهورِ
يا ربّ تحضنهُ جدائِلُهُ ؟
قد غابَ من عاميِن يا وجعًا
- تمتدُّ - في قلبي قبائِلُهُ
وبلا مقاومةٍ يُحاصرهُ
ويغيبُ سهوًا ثم يَقْتُلُهُ
القَتْلُ حُرِّمَ يا حبيبيَ إني
قدْ رجوتُكَ لا تُحلله !
ترك لنا الشاعر قصيدته بلا عنوان , ولعله متأثراً بمن أحب من شعرائنا الذين تركوا قصائدهم بلا عتبات , واعتمدوها تتحدث عن نفسها وتنسج عنوانها لوحدها وأحياناً يكون من ثقة الشاعر بنفسه أو بمضمون القصيدة التي ستقول لكم من أنا ؟
وعلى عادة الشعراء يتخيل الشاعر في قصيدته في البيت الأول أن هناك من يسأله عن قلبه المتعب ليحمله همومه ويشكو معاناته من خلال ندائه لصاحبه غير المعروف والمبهم لعدم التعريف له , فيطلب منه أن يترك قلبه الذي فصله عن ذاته وأشار له بالضمير المتصل الهاء في (دعه) وكأنه مسلوخ ٌ عنه , لكنه يعود ليؤكد معاناته الشخصية برد القلب له بضمير الملكية المتصل في (قلبي), و يطرح ويبين السبب في قوله ( فنار الشوق تقتله) .فكانت هذه العبارة مدخلاً لتفصيل نار الشوق الذي أبلجها بالاستعارة والتي شخصها وكأنها ممن يأكل ويلتهم, إنسانٌ أم حيوان . فهو يبكي الشتاء الذي بداخله , وقد حمل العبارة الكثير فالشتاء يعني النماء والخير والسعادة , لكن الشاعر هنا يحمل الشتاء معان ٍ أخرى تشير للقتامة والظلمة والغياب , وقد جعل من الشتاء قاطناً للقلب ومقيماً, فهو بمنأى عن الأحباب فيرسل رسائله الذي استعاض في كتابتها بدمع العين عن الحبر , إشارة إلى الوله في البيت الأول وهذا هو خط القصيدة وعمودها الذي يسير به الشاعر لآخر القصيدة . وهذا القلب على الحالية الوصفية للفعل المضارع يشتاق لمن أحب وعذبه ,فهو مقتول لبعده , وفي نفس الوقت يطرح سؤالاً إنكارياً مستهجناً هجر الحبيب له, الذي شبهه بالقاتل والذي تحول إلى عاذل له بمجافاته له رغم سكناه القلب وهنا تساؤلٌ آخر في (فمتى سيرأف فيه عاذله ).؛ ليدلل على الوله والعذاب الذي يقطن ذات الشاعر . وفي البيت الخامس يحمل الشاعر الذات الكثير ويوسع في زمن القصيدة باستدعائه لفظة الزمان مقترنة بالحدث (جار الزمان ) . فلا محدودية للوقت, لكنه أضاف للزمان إحداث شبهها بالمطر المنهمر, وعاد ليؤكد السبب ؛ ألا وهو بعد الحبيبة عنه .
أما في الأبيات الثلاثة السادس والسابع والثامن يعتلي الشاعر في وصف المكابدة والمعاناة التي تركها الهجر له , فأفاض في وصف معاناته الداخلية فهو الذي ضل الطريق عن الكلام وقد شبه الكلام بالمكان , والقول بالدرب . فقد تاهت كلماته الشاعرة الجميلة , وتاه منه القول الذي يُهدى للحبيب المترع بالجمال (ضل الطريق عن الكلام فما...عرف المجاز الحلو قائله ) وتتجلى ظاهرة التقديم والتأخير في البيت كضرورة ٍ شعريةٍ جميلة ؛ حققت مراد الشاعر. وكذلك يحمل الأرض عملاً هو فاعله ليدلل على أنه أصبح من ولهه مسلوب الإرادة . فالأرض التي تسير به بدلاً منه , إلا أنها ما عادت تسير به كالمعتاد وذلك لوجود طريق ٍ خطأ سيطرت على ذاته ألا وهي طريق التيه وفقدان الهدف .وهذا البيت أرى فيه جمالاً حقيقياً للسياق بتوظيفه النمط اللغوي ( ما عادت ... إلا ) فبعد أن نفى الحدث يستدرك بحدث آخر . (والأرض ما عادت تسير به .. إلا ودرب التيه يحمله ) يشبه في الشطر الثاني من البيت إن للضياع وعدم معرفة المقصد له درب خاص به وهذا الدرب كأنه راحلة ٌأو سيارة ٌتحمل الشاعر . وصفٌ راق ٍ للحالة النفسية المتهيجة . لكنه يلحق البيت الثامن بالسابع ليكمل ما هو درب التيه , ففيه من المجهول أرصفة , ليدلل على الكثرة في (أرصفة ٍ ) والجمعُ يفيدُ الاستحواذ , فقد شبه التيه في داخله بالمكان ذات الأرصفة الكثيرة وهو يعني قلوب كل المحبين المعذبين . وهنا تشبيه بليغ في (فيه من المجهول أرصفة ), ثم يؤكد باللام (لترى ) فكل من قاطعه حبيبه له مكان يتوقف فيه من معاناة الطريق انظر لما يقول الشاعر : فيه من المجهول ِ أرصفةٌ .. لترى الجميعَ إليه يدخله )
في البيت التاسع يعود الشاعر لبث حرقته لصاحبه في غوايته كمن يشرب ويثمل, فقد اعتاد على التوجع من هذا الهجر ويقول أنه ثمل وشبع من كأس الشوق الذي شبهه بكأس الخمر. يجيد الشاعر مشاكلة التصور المعنوي بالحسي فهو يشاكل بين كأس الشوق وكأس الراح والتقائهما في الثمالة والارتواء .لكثرة الشرب .
وفي البيت التاسع نذب مباشر لبعد الحبيب فيقول غاب وابتعد من كان بالأمس هدى وقمة السعادة تضل هذا الحبيب , ولفظة (الأمس ) تعني توقيت زمني مفتوح في زمن القصيدة وهو زمن ماض لا حدود له (غاب الذي بالأمس كان هدى ).
وينعت نفسه بالعطش لكنه يحتاج للماء الذي لا يتوفر له , ولكن هناك ما يشبهه والذي لا يظهر إلا في زمهرير الصحراء وقت الظهيرة .صورة كاملة ومشاكلة بين ظمأ الذات ولهفتها للري من لقاء الحبيب الذي ذهب وبين عطش الإنسان في الصحراء . ( عطش ٌ وليس الماءُ في يده إلا الذي سكب السراب له ) فيها أمل للقاء وهنا يؤكد الغياب ويبعد الحضور في القصيدة .
وفي البيت العاشر, للمتعبين أمثاله بحر خاص فيه غرقٌ وأيام متعبة مرهقة لهم . وللأيام قبضة قوية فهو يتحسر على نفسه بقوله ( فمن من قبضة الأيام ينشله ) استعارات متتالية وسياق جميل متماسك الحبك . فالأيام رجل ذو قبضة قوية, والتساؤل هنا بث لوعة وحسرة , وإثارة للمتلقي ومساندة حال وإثارة للشفقة عليه .
لكن هذه الثورة لن تهدأ إلا بتحديد زمن الإنهاء ؛ألا وهو عودة الحبيب الذي أطلق عليه لفظة (البعيد ) , وبهذا تهدأ نفس الشاعر الثائرة الحزينة , ويعود إليه فرحه والطمأنينة كما كان .وقد استعاض بكل ما قيل بموجز القول : (وقد عادت لداخله دواخله ) . ولم يعبر عن فرحته إلا بكاء العين الذي شبهه بالبريد الذي سيفك رموزه الحبيب ,ومن عرف بحاله فهم أقدر وأجدر على تأويل هذا الدمع . فالدموع شبهها بالحبر وتساقطها شبهه بالكتابة كم هو رائع في تشبيهه وسياق صوره الخفيفة المعبرة .
الآن يعود الشاعر للتحسر فيقول إن الوطن بعد الحبيب لم يعد وطناً ولكنه مليء بالفراغ رغم اتساعه . فهل يعني الشاعر الوطن الحقيقي أم وطن الذات وربما الاثنين .ٍويعلن مؤكداً عن السبب لعدم بقاء الوطن وطناً فقد تعرى للرياح بدلاً من تعرية الرياح له ولا توجد غيمة محملة بالخير والمطر تضلله وتجلب له الخير والرياح رغم أنها تعني الخير في طياتها تسوق اللواقح والسحاب المسخر بين السماء والأرض . لكن رياح الشاعر ليست هكذا؛ فهي صورة عكسية وهو يعاضد ما ساق في سياق البيت الثاني . إذاً فهو يوظف الظواهر الطبيعية بعكس مدلولها النمائي وذات العطاء .
في البيت السابع عشر يطلب الشاعر من صاحبه أن يترك سؤاله عن أخبار حبه واسأل عن أخبار الحبيب الذي هو مصدر علته (دع عنك أخبار الفؤاد وقل أخبار معشوق يعلله ) . وهذا الحبيب يمثل الشاعر الوفي الذي مازال على عهده فهو يبحث عن الزهور الجميلة التي تهدى للأحبة قائلاً متى تحضن جدائل الحبيب . اختصار للصورة وقلب تام فبدلاً من معانقة الحبيبة للزهور رفع من قدرها وجعل الزهور هي التي ستحضن الجدائل رائع السبك والسياق.
. في البيت التاسع عشر يخبرنا الشاعر عن بدء قيام قيامته التي أقامها وموته وسرابه , وكل ما لحق به من وله ٍ؛ فهو لمجرد انقضاء يومين على غياب المحبوبة عنه . فغيابها وجع يمتد في قلبه , وقد أخبرنا بأنه مستأصل في قلبه فيقول ( قد غاب من يومين يا وجعاً .... تمتد في قلبي قبائله )وهذا الغياب وما نتج عنه من أذى ووله يحاصر القلب بلا مقاومة , ثم يحاصره بالوساوس والأفكار والفكر فيقتله . وفي البيت الأخير يخاطب الحبيب مجاهرة بتوجيه الخطاب له فيقول القتل حُرّم يا حبيبي مستنداً إلى الشريعة والعرف , وهو يرجوه ويصر على ذلك بألا يحلله في قتل الحبيب ببعده وهنا صورة مختبئة تظهر من خلال السياق فقد شبه بُعدَ الحبيب بالقتل المتعمد . .
(القتل حرم يا حبيبي ... إني رجوتك ألا تحلله )
هذا ما تضمنه مضمون القصيدة , وأزعم أنه ما أراد الشاعر أن يرسله لنا في خطابه المقدم . لكنني أود أن أقول أن القصيدة سهلة الألفاظ . ورغم سهولة ألفاظها ويسر استرسال سياقها وأبياتها الشعرية فالقصيدة نامية ذات وحدة عضوية واحدة لم يشتت الشاعر فيها لأفكارنا كمتلقين فهي تتحدث عن معاناته كحبيب من إثر فراق المحبوبة . لكن الشاعر أبدع في وصف حالته النفسية وما لحق بذاته من عذاب لم يبق على ظهر البطيحة من شيء إلا وأشركه في إبراز ثورة الذات وولها بتوظيف الفعل الحاضر والذي شف لنا وأكد على معاناته انظر توارد الوصف (نار الشوق تأكله , يبكي بداخله , يشتاق من بالبعد عذبه , يحن ُ قاتله , مازال يعيش به , الدمع يثقله ,ما عادت تسير به , درب التيه يحمله , لترى الجميع إليه يدخله ,قلبي ثملٌ فكاس الشوق يثمله , لظى الحنين يضلله , من قبضة الأيام ينشله . إلى آخر القصيدة ) وهذا أعتبره تمكناً من الشاعر من مفرداته .
أما أفعال الماضي فقد جاءت معاضدة للأفعال المضارعة الوصفية للحالة النفسية المتعبة للشاعر, ومؤكد لها إذ أورد بعضاً منها مسبوقاً بقد المحققة للحدث الماضي ومؤكدة له . وهذا ما أورده في أبياته (بالدمع قد خُطت رسائله ) ,( عذبه , جار الزمان عليه وانهمرت , ضل الطريق , ما عرف , ما عادت , غاب الذي , كان هدى , سكب السراب , فلقد تعرى , قد غاب )
أما فعل الأمر الطلبي فقد جاء ليحمل القصيدة الإفصاح عما به وليفتتح به معوّل القول في (يا صاح دعه ) ,فقد جاء الفعل في جملة فعلية كاملة المعنى والطلب فعل وفاعل ومفعول به . وجاء الفعل (اهدأ ) الذي كان فيه انتقال الحالة المخاطبة للذات بتجسيد القلب كما لو كان شخصاً أمامه وكذلك (دع عنك أخبار الهوى وقل )وكلها مدت وعمّقت في سبر غور ذات الشاعر المتعبة الحزينة .
تجلت ظاهرة التقديم والتأخير في القصيدة وقد نجح الشاعر في توظيف هذه الظاهرة من بدابة القصيدة حتى نهايتها .والتقديم والتأخير من الظواهر الجميلة في الشعر فهي تزيد من شاعرية السياق الشعري المستملح وأحياناً ضرورة .
وهكذا بإمكاننا ملاحظة ما قدم الشاعر في قصيدته : (دعه إنه ولهٌ فلبي ),(بالدمع قد خُطت رسائله ),(فمتى سيرأف فيه عاذله ) ,(عرف المجاز الحلو قائله ) ,(فيه من المجهول أرصفةٌ )وهكذا إلى آخر القصيدة وقد استفاد منه الشاعر في دعم قافيته المنتهية بالهاء المشبعة بالضم المناسبة لبوحه ِ.
وقد شبّع القصيدة بالتوشية والزخرفة في توظيف الجناس الناقص فحقق جميل السياق والموسيقى معاً ( ولهُ وتأكله ) (للقتيل وقاتله )(ثملٌ ويثمله ) , (داخله ودواخله )(قلبي وقبائله ). والقصيدة تزخر بالمحسنات الجميلة كالطباق والمقابلة والتصوير والتشخيص . لا داعي لإعادتها فقد نوهنا إليها سابقاً . اختار الشاعر لقصيده البحر الكامل الحذ , وقد استطاع أن يحقق جميل الموسيقى الداخلية من خلال تكرار الحروف في البيت الواحد أو أكثر, وتكرار الكلمات وانسجامها في السياق .وبالتعقيب بالأسلوب الدال على التوجع (قد غاب من يومين , يا وجعاً ).
حقيقة ً أرى أن الشاعر قدم لنا لوحةً شعرية ً جميلة فيها من الحداثة ما يدلل على نضوج الفكرة واللفظة وسعة اطلاع الشاعر ومخزونه اللغوي . إلى هنا اختم دراستي للقصيدة متمنية للشاعر التوفيق والنجاح وأن يتحفنا بمزيد أدبياته
وأشعاره .
مع خالص تحياتي
قراءة الأستاذة /هدى مصلح النواجحة
14 /5/2018
للأستاذة /هدى مصلح النواجحة
يا صاحِ دعهُ إنَّه وَلِهُ
- قلبي - فنارُ الشوقِ تأْكُلُهُ
يبكي بداخلهِ الشتاءُ فكم
بالدمعِ قدْ خُطَّتْ رسائِلُه !
يشتاقُ من بالبعدِ عذَّبَهُ
هل للقتيلِ يحنُّ قاتِلُهُ ؟
ما زالَ عاذلهُ يعيشُ بهِ
فمتى سيرأفُ فيهِ عاذلهُ ؟
جار الزمانُ عليهِ وانهمرت
أحزانُهُ فالبعدُ يُثْقِلُهُ
ضلَّ الطريقَ عن الكلامِ فما
عرفَ المجازَ الحلوَ قائِلُه
والأرض ما عادت تسيرُ به
إلا ودربُ التيه ِ يحملهُ
فيه من المجهول ِ أرصفة ٌ
لترى الجميعَ إليهِ يدْخُلُهُ
يا صاحِ قلبي في غوايَتِهِ
َثَمِلٌ فكأسُ الشوقِ تُثْمِلُهُ
غابَ الذي بالأمسِ كانَ هُدىً
- ولظى الحنينِ لهُ يُضَلِّلُهُ
عَطِشٌ وليس الماء في يَدَهِ
- إلا الذي سكبَ السرابُ لهُ
غَرِقٌ ببحرِ المتعبينَ فمن
من قبضةِ الأيامِ يَنْشِلُهُ
حتى يجيءَ لهُ البعيدُ وقد
عادتْ لداخلِهِ دواخِلُهُ
ويخطَّ من حبرِ العيوِن بريداً ليسَ يُعْرَفُ من يؤَوِّلهُ
إهدأْ قليلًا لم يَعدْ وطنٌ
إلا الفراغَ الآنَ يُكمِلُهُ
فلقد تعرى للرياحِ وما
من غيمةٍ حُبلى تُظللهُ
دعْ عنكَ أخبارَ الفؤادِ وقل
أخبارَ معشوقٍ يُعلِّلُهُ
ما زال يبحثُ في الزهورِ
يا ربّ تحضنهُ جدائِلُهُ ؟
قد غابَ من عاميِن يا وجعًا
- تمتدُّ - في قلبي قبائِلُهُ
وبلا مقاومةٍ يُحاصرهُ
ويغيبُ سهوًا ثم يَقْتُلُهُ
القَتْلُ حُرِّمَ يا حبيبيَ إني
قدْ رجوتُكَ لا تُحلله !
ترك لنا الشاعر قصيدته بلا عنوان , ولعله متأثراً بمن أحب من شعرائنا الذين تركوا قصائدهم بلا عتبات , واعتمدوها تتحدث عن نفسها وتنسج عنوانها لوحدها وأحياناً يكون من ثقة الشاعر بنفسه أو بمضمون القصيدة التي ستقول لكم من أنا ؟
وعلى عادة الشعراء يتخيل الشاعر في قصيدته في البيت الأول أن هناك من يسأله عن قلبه المتعب ليحمله همومه ويشكو معاناته من خلال ندائه لصاحبه غير المعروف والمبهم لعدم التعريف له , فيطلب منه أن يترك قلبه الذي فصله عن ذاته وأشار له بالضمير المتصل الهاء في (دعه) وكأنه مسلوخ ٌ عنه , لكنه يعود ليؤكد معاناته الشخصية برد القلب له بضمير الملكية المتصل في (قلبي), و يطرح ويبين السبب في قوله ( فنار الشوق تقتله) .فكانت هذه العبارة مدخلاً لتفصيل نار الشوق الذي أبلجها بالاستعارة والتي شخصها وكأنها ممن يأكل ويلتهم, إنسانٌ أم حيوان . فهو يبكي الشتاء الذي بداخله , وقد حمل العبارة الكثير فالشتاء يعني النماء والخير والسعادة , لكن الشاعر هنا يحمل الشتاء معان ٍ أخرى تشير للقتامة والظلمة والغياب , وقد جعل من الشتاء قاطناً للقلب ومقيماً, فهو بمنأى عن الأحباب فيرسل رسائله الذي استعاض في كتابتها بدمع العين عن الحبر , إشارة إلى الوله في البيت الأول وهذا هو خط القصيدة وعمودها الذي يسير به الشاعر لآخر القصيدة . وهذا القلب على الحالية الوصفية للفعل المضارع يشتاق لمن أحب وعذبه ,فهو مقتول لبعده , وفي نفس الوقت يطرح سؤالاً إنكارياً مستهجناً هجر الحبيب له, الذي شبهه بالقاتل والذي تحول إلى عاذل له بمجافاته له رغم سكناه القلب وهنا تساؤلٌ آخر في (فمتى سيرأف فيه عاذله ).؛ ليدلل على الوله والعذاب الذي يقطن ذات الشاعر . وفي البيت الخامس يحمل الشاعر الذات الكثير ويوسع في زمن القصيدة باستدعائه لفظة الزمان مقترنة بالحدث (جار الزمان ) . فلا محدودية للوقت, لكنه أضاف للزمان إحداث شبهها بالمطر المنهمر, وعاد ليؤكد السبب ؛ ألا وهو بعد الحبيبة عنه .
أما في الأبيات الثلاثة السادس والسابع والثامن يعتلي الشاعر في وصف المكابدة والمعاناة التي تركها الهجر له , فأفاض في وصف معاناته الداخلية فهو الذي ضل الطريق عن الكلام وقد شبه الكلام بالمكان , والقول بالدرب . فقد تاهت كلماته الشاعرة الجميلة , وتاه منه القول الذي يُهدى للحبيب المترع بالجمال (ضل الطريق عن الكلام فما...عرف المجاز الحلو قائله ) وتتجلى ظاهرة التقديم والتأخير في البيت كضرورة ٍ شعريةٍ جميلة ؛ حققت مراد الشاعر. وكذلك يحمل الأرض عملاً هو فاعله ليدلل على أنه أصبح من ولهه مسلوب الإرادة . فالأرض التي تسير به بدلاً منه , إلا أنها ما عادت تسير به كالمعتاد وذلك لوجود طريق ٍ خطأ سيطرت على ذاته ألا وهي طريق التيه وفقدان الهدف .وهذا البيت أرى فيه جمالاً حقيقياً للسياق بتوظيفه النمط اللغوي ( ما عادت ... إلا ) فبعد أن نفى الحدث يستدرك بحدث آخر . (والأرض ما عادت تسير به .. إلا ودرب التيه يحمله ) يشبه في الشطر الثاني من البيت إن للضياع وعدم معرفة المقصد له درب خاص به وهذا الدرب كأنه راحلة ٌأو سيارة ٌتحمل الشاعر . وصفٌ راق ٍ للحالة النفسية المتهيجة . لكنه يلحق البيت الثامن بالسابع ليكمل ما هو درب التيه , ففيه من المجهول أرصفة , ليدلل على الكثرة في (أرصفة ٍ ) والجمعُ يفيدُ الاستحواذ , فقد شبه التيه في داخله بالمكان ذات الأرصفة الكثيرة وهو يعني قلوب كل المحبين المعذبين . وهنا تشبيه بليغ في (فيه من المجهول أرصفة ), ثم يؤكد باللام (لترى ) فكل من قاطعه حبيبه له مكان يتوقف فيه من معاناة الطريق انظر لما يقول الشاعر : فيه من المجهول ِ أرصفةٌ .. لترى الجميعَ إليه يدخله )
في البيت التاسع يعود الشاعر لبث حرقته لصاحبه في غوايته كمن يشرب ويثمل, فقد اعتاد على التوجع من هذا الهجر ويقول أنه ثمل وشبع من كأس الشوق الذي شبهه بكأس الخمر. يجيد الشاعر مشاكلة التصور المعنوي بالحسي فهو يشاكل بين كأس الشوق وكأس الراح والتقائهما في الثمالة والارتواء .لكثرة الشرب .
وفي البيت التاسع نذب مباشر لبعد الحبيب فيقول غاب وابتعد من كان بالأمس هدى وقمة السعادة تضل هذا الحبيب , ولفظة (الأمس ) تعني توقيت زمني مفتوح في زمن القصيدة وهو زمن ماض لا حدود له (غاب الذي بالأمس كان هدى ).
وينعت نفسه بالعطش لكنه يحتاج للماء الذي لا يتوفر له , ولكن هناك ما يشبهه والذي لا يظهر إلا في زمهرير الصحراء وقت الظهيرة .صورة كاملة ومشاكلة بين ظمأ الذات ولهفتها للري من لقاء الحبيب الذي ذهب وبين عطش الإنسان في الصحراء . ( عطش ٌ وليس الماءُ في يده إلا الذي سكب السراب له ) فيها أمل للقاء وهنا يؤكد الغياب ويبعد الحضور في القصيدة .
وفي البيت العاشر, للمتعبين أمثاله بحر خاص فيه غرقٌ وأيام متعبة مرهقة لهم . وللأيام قبضة قوية فهو يتحسر على نفسه بقوله ( فمن من قبضة الأيام ينشله ) استعارات متتالية وسياق جميل متماسك الحبك . فالأيام رجل ذو قبضة قوية, والتساؤل هنا بث لوعة وحسرة , وإثارة للمتلقي ومساندة حال وإثارة للشفقة عليه .
لكن هذه الثورة لن تهدأ إلا بتحديد زمن الإنهاء ؛ألا وهو عودة الحبيب الذي أطلق عليه لفظة (البعيد ) , وبهذا تهدأ نفس الشاعر الثائرة الحزينة , ويعود إليه فرحه والطمأنينة كما كان .وقد استعاض بكل ما قيل بموجز القول : (وقد عادت لداخله دواخله ) . ولم يعبر عن فرحته إلا بكاء العين الذي شبهه بالبريد الذي سيفك رموزه الحبيب ,ومن عرف بحاله فهم أقدر وأجدر على تأويل هذا الدمع . فالدموع شبهها بالحبر وتساقطها شبهه بالكتابة كم هو رائع في تشبيهه وسياق صوره الخفيفة المعبرة .
الآن يعود الشاعر للتحسر فيقول إن الوطن بعد الحبيب لم يعد وطناً ولكنه مليء بالفراغ رغم اتساعه . فهل يعني الشاعر الوطن الحقيقي أم وطن الذات وربما الاثنين .ٍويعلن مؤكداً عن السبب لعدم بقاء الوطن وطناً فقد تعرى للرياح بدلاً من تعرية الرياح له ولا توجد غيمة محملة بالخير والمطر تضلله وتجلب له الخير والرياح رغم أنها تعني الخير في طياتها تسوق اللواقح والسحاب المسخر بين السماء والأرض . لكن رياح الشاعر ليست هكذا؛ فهي صورة عكسية وهو يعاضد ما ساق في سياق البيت الثاني . إذاً فهو يوظف الظواهر الطبيعية بعكس مدلولها النمائي وذات العطاء .
في البيت السابع عشر يطلب الشاعر من صاحبه أن يترك سؤاله عن أخبار حبه واسأل عن أخبار الحبيب الذي هو مصدر علته (دع عنك أخبار الفؤاد وقل أخبار معشوق يعلله ) . وهذا الحبيب يمثل الشاعر الوفي الذي مازال على عهده فهو يبحث عن الزهور الجميلة التي تهدى للأحبة قائلاً متى تحضن جدائل الحبيب . اختصار للصورة وقلب تام فبدلاً من معانقة الحبيبة للزهور رفع من قدرها وجعل الزهور هي التي ستحضن الجدائل رائع السبك والسياق.
. في البيت التاسع عشر يخبرنا الشاعر عن بدء قيام قيامته التي أقامها وموته وسرابه , وكل ما لحق به من وله ٍ؛ فهو لمجرد انقضاء يومين على غياب المحبوبة عنه . فغيابها وجع يمتد في قلبه , وقد أخبرنا بأنه مستأصل في قلبه فيقول ( قد غاب من يومين يا وجعاً .... تمتد في قلبي قبائله )وهذا الغياب وما نتج عنه من أذى ووله يحاصر القلب بلا مقاومة , ثم يحاصره بالوساوس والأفكار والفكر فيقتله . وفي البيت الأخير يخاطب الحبيب مجاهرة بتوجيه الخطاب له فيقول القتل حُرّم يا حبيبي مستنداً إلى الشريعة والعرف , وهو يرجوه ويصر على ذلك بألا يحلله في قتل الحبيب ببعده وهنا صورة مختبئة تظهر من خلال السياق فقد شبه بُعدَ الحبيب بالقتل المتعمد . .
(القتل حرم يا حبيبي ... إني رجوتك ألا تحلله )
هذا ما تضمنه مضمون القصيدة , وأزعم أنه ما أراد الشاعر أن يرسله لنا في خطابه المقدم . لكنني أود أن أقول أن القصيدة سهلة الألفاظ . ورغم سهولة ألفاظها ويسر استرسال سياقها وأبياتها الشعرية فالقصيدة نامية ذات وحدة عضوية واحدة لم يشتت الشاعر فيها لأفكارنا كمتلقين فهي تتحدث عن معاناته كحبيب من إثر فراق المحبوبة . لكن الشاعر أبدع في وصف حالته النفسية وما لحق بذاته من عذاب لم يبق على ظهر البطيحة من شيء إلا وأشركه في إبراز ثورة الذات وولها بتوظيف الفعل الحاضر والذي شف لنا وأكد على معاناته انظر توارد الوصف (نار الشوق تأكله , يبكي بداخله , يشتاق من بالبعد عذبه , يحن ُ قاتله , مازال يعيش به , الدمع يثقله ,ما عادت تسير به , درب التيه يحمله , لترى الجميع إليه يدخله ,قلبي ثملٌ فكاس الشوق يثمله , لظى الحنين يضلله , من قبضة الأيام ينشله . إلى آخر القصيدة ) وهذا أعتبره تمكناً من الشاعر من مفرداته .
أما أفعال الماضي فقد جاءت معاضدة للأفعال المضارعة الوصفية للحالة النفسية المتعبة للشاعر, ومؤكد لها إذ أورد بعضاً منها مسبوقاً بقد المحققة للحدث الماضي ومؤكدة له . وهذا ما أورده في أبياته (بالدمع قد خُطت رسائله ) ,( عذبه , جار الزمان عليه وانهمرت , ضل الطريق , ما عرف , ما عادت , غاب الذي , كان هدى , سكب السراب , فلقد تعرى , قد غاب )
أما فعل الأمر الطلبي فقد جاء ليحمل القصيدة الإفصاح عما به وليفتتح به معوّل القول في (يا صاح دعه ) ,فقد جاء الفعل في جملة فعلية كاملة المعنى والطلب فعل وفاعل ومفعول به . وجاء الفعل (اهدأ ) الذي كان فيه انتقال الحالة المخاطبة للذات بتجسيد القلب كما لو كان شخصاً أمامه وكذلك (دع عنك أخبار الهوى وقل )وكلها مدت وعمّقت في سبر غور ذات الشاعر المتعبة الحزينة .
تجلت ظاهرة التقديم والتأخير في القصيدة وقد نجح الشاعر في توظيف هذه الظاهرة من بدابة القصيدة حتى نهايتها .والتقديم والتأخير من الظواهر الجميلة في الشعر فهي تزيد من شاعرية السياق الشعري المستملح وأحياناً ضرورة .
وهكذا بإمكاننا ملاحظة ما قدم الشاعر في قصيدته : (دعه إنه ولهٌ فلبي ),(بالدمع قد خُطت رسائله ),(فمتى سيرأف فيه عاذله ) ,(عرف المجاز الحلو قائله ) ,(فيه من المجهول أرصفةٌ )وهكذا إلى آخر القصيدة وقد استفاد منه الشاعر في دعم قافيته المنتهية بالهاء المشبعة بالضم المناسبة لبوحه ِ.
وقد شبّع القصيدة بالتوشية والزخرفة في توظيف الجناس الناقص فحقق جميل السياق والموسيقى معاً ( ولهُ وتأكله ) (للقتيل وقاتله )(ثملٌ ويثمله ) , (داخله ودواخله )(قلبي وقبائله ). والقصيدة تزخر بالمحسنات الجميلة كالطباق والمقابلة والتصوير والتشخيص . لا داعي لإعادتها فقد نوهنا إليها سابقاً . اختار الشاعر لقصيده البحر الكامل الحذ , وقد استطاع أن يحقق جميل الموسيقى الداخلية من خلال تكرار الحروف في البيت الواحد أو أكثر, وتكرار الكلمات وانسجامها في السياق .وبالتعقيب بالأسلوب الدال على التوجع (قد غاب من يومين , يا وجعاً ).
حقيقة ً أرى أن الشاعر قدم لنا لوحةً شعرية ً جميلة فيها من الحداثة ما يدلل على نضوج الفكرة واللفظة وسعة اطلاع الشاعر ومخزونه اللغوي . إلى هنا اختم دراستي للقصيدة متمنية للشاعر التوفيق والنجاح وأن يتحفنا بمزيد أدبياته
وأشعاره .
مع خالص تحياتي
قراءة الأستاذة /هدى مصلح النواجحة
14 /5/2018

0 التعليقات:
إرسال تعليق