لفتنا الجميلة
في الشعر و أوازنه
البحث السادس عشر
فيما يجوز للشاعر .. وما لا يجوز
أولا : فيما لا يجوز للشاعر
فيما يتعلق بالشعر العمودي ، فانه يتوجب على الشاعر الالتزام بالوزن و القافية أولا و بقواعد النحو و الصرف ثانيا .. الا أن هناك حالات معينة يجوز فيها للشاعر تخطي بعض هذه القواعد عنما تتطلب الضرورة ذلك .. كما أن هناك حالات أخرى لا يجوز له تخطي هذه القواعد ..
و في هذا البحث سنبين ما هي الحالات التي يجوز فيها للشاعر تجاوز بعض القواعد العروضية أو النحوية .. و ما لا يجوز له ، عل يستفيد منها شعراؤنا .. أخص المستجد منهم للأخذ بيده ليكون على بينة من أمره في نظمه القريض . و هذه المعلومات منقولة من مجموعة من كتب التراث العربي مع الاختصار و الزيادة قليلا أوالنقصان .
و ما يجوز للشاعر المولد استعماله في شعره من الضرورة ، هو جميع ما استعمله العرب في اشعارهم من الضرورات ، سوى ما استثني منها ، و ما سنبينه لاحقا . و المولد في ضرورات شعره ، و ارتكاب صعابها ، أعذر من العربي الذي يقول في لغته بطبعه .
أما الذي لا يجوز للمولد استعماله ، و لا يسامح في ارتكابه ، فهو جميع ما يأتى عن العرب لحنا لا تسيغه العربية ، و لا يجوّزه أهلها ، سواء كان في أنشاء البيت ، أو في قافيته ، فان اللحن لا يجوز الاقتداء به ، و لا النزول في شُعَبه .
فمن ذلك اللحن الذي سموه جرّا على المجاورة . قال الشاعر :
فيا معشر العرب ان جاز شربكم ... فلا تشربوا ما حج لله راكبِ
شرابــا لغزوان الخبيث فانـــــــه ... يناهيأأأكم منأه بأيمانِ كاذبِ
و هذا لحن قبيح ، و صوابه : ما حج لله راكبُ بضم الباء و ليس بكسرها .
و قال الآخر :
أطوف بها لا أرى غيرها ... كما طاف بالبيعةِ الراهبِ
جعل الراهب مجرورا على الجوار ( لفظة الراهب جاورت لفظة البيعة المكسورة ) وهو لحن قبيح ، و صوابه : كما طاف بالبيعةِ الراهبُ . و قال آخر :
كأن نسْجَ العنكبوتِ المرمّلِ
و صوابه : المرمّلا . و هو صفة لنسج و ليس للعنكبوت .. و أما قول الآخر :
كأنما ضرّبت قدام أعينها ... قطنا بمستحضر الأوتار محلوجِ
و صوابه محلوجا . و كل ذلك ، انما أتوا به بناء على ما ورد عن العرب من قولهم :
هذا جُحْرُ ضبٍّ خَرِبِ ، و ليس الخرِبُ من صفة الضب . فالخرب صفة للجحر .
و مما لا يجوز للمولدين استعماله ، ما استعمله العرب من التقديم و التاخير ، و الفصل الذي لا وجه لشيء منه ، و لا يجوز للمولد الحذو عليه ، و لا الاقتداء به ، فانه لحن مستقبح ، كقول الشاعر :
لها مقلتا حوراءَ ، طُلَّ خميلةً ... من الوحش ، ما تنفك تُرعى عرارُها
أراد : لها مقلتا حوراء من الوحش ، ما تنفك تَرعى خميلةً طُلَّ عُرارُها . و قال آخر :
فقد و الشكُّ ، بيّن لي ، عناءٌ ... بوَشْكِ فراقهم ، صُرَدٌ يصيحُ
أراد : فقد بين لي صرد يصيح ، بوشك فراقهم و الشك عناء .
و قال الآخر :
فأصبحت ، بعد خَطّ بهجتها ... كأن قفرا ، رسومَها قلما
أراد : فأصبحت بعد بهحتها قفرا ، كأن قلما خط رسومها . و مثل ذلك كثير ..
و قد ترى ما في هذه الأبيات من الفصول و التقديم و التأخير ، و مثل هذا لا يجوز للعرب المتقدمين ، فضلا عن المولدين المتأخرين ، و لا يجوز لأحد أن يتخذه رسما يعمل عليه .
و مما لا يجوز للمولدين الاقتداء به ، و لا العمل عليه ، لأنه لحن فاحش ، الاقواء في القافية ، و ذاك أن يعمل الشاعر بيتا مرفوعا ، و آخر مجرورا ، كقول النابغة الذبياني :
أمن آل مية رائح أم مغتدي ... عجلان ذا زاد و غير مــــزوَّدِ
زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... و بذاك خبّرنا الغرابُ الأسودُ
و من المستغرب ، كيف ذهب ذلك عن النابغة ، مع حسن نقده للشعر ، و صحة ذوقه و ادراكه لغوامض أسراره ، و نعلم ما أخذه على حسان بن ثابت ، مما تحار الأفكار فيه . و لما نُبِّهَ على موضع الخطأ ، لم يصل الى فهمه و لم يأبَه له ، حتى غنت به قينة وهو حاضر ، و لما مددت جملة " خبرنا الغراب الأسود " ، و بينت الضمة في الأسود بعد الدال المكسورة في البيت السابق ، فطن لذلك ، و علم أنه مقوٍ في البيت المذكور ، مما دفعه الى القول : " و بذاك تنعاب الغرابِ الأسودِ " .
و كقول مزرد بن ضرار في أبيات :
ألم تعلم الثُّعلاءُ لا درّ درُّها ... فزارة أن الحق للضيف واجبُ
تشازرت فاستشرفته ، فرأيته ... فقلت له آ أنت زيـــدُ الأرانبِ
و كقول حسان بن ثابت :
لا بأس بالقوم من طول و من قصر ... جسم البغال ، و احلام العصافيرِ
كأنهم قصــــبٌ جــــــــــوفٌ أسافله ... مثقب نفـــخت فيــــــه الأعاصيرُ
و لا يكون النصب مع الجر ، و لا مع الرفع في الاقواء ، و الجميع لحن مردود ، و لم يرد عن العرب شيء من ذلك . و ليس للمقيد مجرى ، يعني حركة الروي ، و انما هو للمطلق ، و يظن أن من ارتكب الاقواء من العرب ، لم يكن ينشد مطلقا ، بل ينشده مقيدا ، و يقف على قافيته ، كقول دريد بن الصمة :
نظرت اليه و الرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممددْ
فأرهبت عنه القوم حتى تبددو ... و حتى علاني حالك اللون اسودْ
و في المطلق فهو عذر مقبول .
و مما لا يجوز للمولدين استعماله ، و لا ورد لأحد رخصة في مثله ، الاكفاء ، و هو اختلاف حرف الروي ، و مثال ذلك قول الراجز :
برني ان البِرّ شيء هِينُ ... المنطق الطيب و الطعيمُ
و هنا جمع بين حرفي الروي : النون في عروض البيت و الميم في ضربه .
و قول آخر :
ان يأتني لص ، فاني لصُّ ... أطلس مثل الذئب اذ يعتسُّ
سوقي حداثي ، و صفير النسُّ
و مما لا يجوز للمولد .. الايطاء ، وهو أن يقفي الشاعر بكلمة في بيت ، ثم يأتي بها في بيت أخر يكون قريبا من الأول ، فان تباعد ما بين البيتين بما قدره عشرة أبيات فصاعدا ، كان الذنب مغفورا، و العيب مستورا ، و انتثل من المحظور الى الكراهية ، فان كانت احدى القافيتين نكرة ، و الأخرى معرفة ، فقد زالت الكراهية ، و كان الى الجواز أقرب من الامتناع . و قد أوطأت العرب كثيرا . قال النابغة الذبياني :
أو أضع البيت في خرساء مظلمة ... تقيد العير لا يسري بها الساري
ثم قال بعد أبيات يسيرة :
لا يخقض الرز عن أرض ألمّ بها ... و لا يضل على مصباحه الساري
و قال ابن مقبل :
أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا
ثم قال بعد أبيات :
نازعت ألبابها لي بمقتصر ... من الأحاديث حتى زدتني لينا
و مما لا يجوز للمولد استعماله ، السناد ، وهو اختلاف كل حركة قبل حركة الروي ، كقول عمرو بن الأهتم التغلبي :
ألم تر أن تغلب أهل عز ... جبال معـــــاقل ما يرتقَينا
شربنا من دماء بني سليم ... بأطراف القنا حتى روِينا
ففتحة القاف ، و كسرة الواو ، سناد لا يجوز .. لأن أحد الحذوين يتابع الردف ، و الآخر يخالفه . و قد أجاز الخليل الضمة مع الكسرة ، و منع من الضمة مع الفتحة ، فان كان مع الفتحة ضمة أو كسرة ، كان سنادا ، فأما الذي جوّزه ، فكقول طرفة :
أرث العين خيال لم يقِرْ ... عاف و الركب بصحراء يسُرْ
فهذه ضمة مع كسرة و هو جيد ، و أما الذي منع منه و ذكر أنه سناد ، فكقول رؤبة :
و قاتم الأعماق خاوي المخترَقْ
ثم قال :
ألف شتى ليس بالراعي الحمِقْ
فجمع بين الفتحة و الكسرة . ثم قال :
مضبورة فرواء هرجاب فُنـُقْ
فأتى بالضمة مع الفتحة و الكسرة ، و هو سناد قبيح لا يجوز استعمال مثله . و مثله في القبح مع الجمع بين الكسرة و الفتحة و الضمة ، قول الأعشى :
غزاتك بالخيل أرض العَدْ ... و في اليوم من غزوة لم تحِمْ
و جيشهم ينظرون الصبا ... ح و جذعانها كلفيظ العجَم
قعودا بما كان من لأمة ... و هن قيام يلُــكنَ اللُّجُم
و حكي : أن الأخفش لم يكن يرى ذلك سنادا ، و يقول : قد كثر مجيء ذلك من فصحاء العرب .. و المعوّل على ما قاله الخليل ، لا غير .
و أجاز الخليل مجيء الياء مع الواو ، في مثل " مشيب و خطوب " و " أمير ووعور " ، فان أردفت بيتا و تركت آخر ، فهو سناد و عيب لا ينسج على منواله ، كقول الشاعر :
اذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما و لا توصه
و ان باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا و لا تعصه
فالواو ، التي في توصه ردف ، و الصاد حرف الروي ، و البيت الثاني ليس بمردف ، . فهذا سناد ، وهو عيب قبيح قلما جاء .
و قال الخليل بن احمد : رتبت البيت من الشِعر ، ترتيب البيت من الشَّعر ، يريد الخباء .. قال : فسميت الاقواء ، ما جاء من المرفوع من الشعر ، و المخفوض على قافية واحدة . و انما سميته اقواء ، لمخالفته ، لأن العرب تقول : أقوى الفاتل ، اذا جاءت قوة من الحبل ، تخالف سائر القوى . قال : و سميت تغير ما قبل حرف الروي سنادا ، من مساندة بيت الى بيت اذا كان كل واحد منها ملقى على صاحبه ، ليس هو مستويا كهذا . قال : و سميت الاكفاء ما اضطرب حرف رويه ، فجاء مرة نونا و مرة ميما و مرة لاما ، و تفعل العرب ذلك ، لقرب مخرج الميم من النون .
و أما التضمين ، فهو أن يبنى البيت على كلام يكون معناه في بيت يتلوه من بعده ، مقتضيا له . كقول الشاعر .
و سعد ، فسائلْهُمُ و الربابُ ... و سائلْ هوازن عن اذا ما
لقيـــــناهُمُ كيـــــف تعلوهُمُ ... بواترُ يقربن بيضا و هاما
و كل هذه العيوب لا يجوز للمولدين ارتكابها ، لأنهم قد عرفوا قبحها ، و شاهدوا في غيرهم لذعها و لفحها ، و البدوي لم يأبه لها .
و مما لا يجوز للمولد استعماله ، كسر نون الجمع ، في مثل قول جرير :
عرينٌ من عُرَينة ليس منا ... برئت الى عرينة من عرين
عرفنا جعفرا و بني عبيــد ... و أنكرنــــا زعانف آخرينِ
و هذا لحن ، و صوابه فتح نون آخرين . و قال سحيم بن وثيل :
عذرت البُذْل ان هي خاطرتني ... فما بالي و بال ابني لبونِ
و ماذا يدَّري الشعراء مني ... و قد جاوزت رأس الأربعينِ
و الصواب فتح نون الأربعين . و قال الفرزدق يخاطب الحجاج بن يوسف ، لما أتاه نعي أخيه ، في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد :
اني لباك على ابني يوسف جزعا ... و مثــل فقدهما للدين يبكيني
ما سدَّ حي ولا ميـــــت مسدهما ... الا الخلائـــف من بعد النبيينِ
فكسر نون النبيين ، و الصواب فتحها . و كل هذا لا يحوز للمولد الحذو عليه ، و لا الاحتجاج به ، و لذلك يقول السيد الحميري :
و ان لساني مقوَلٌ لا يخونني ... و اني لمـــا آتي من الأمــــر متـــــقنُ
أحوك و لا أقوي ، و لست بلاحن ... و كم قائل للشعر.. يقوي و يلحن
و قال عدي بن الرقاع :
و قصيدةٍ قد بتُّ أجمعُ بينها ... حتى أقوِّم ميلها و سنادها
نظر المثقٍّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافــــه منآدها
و أنشد أبو بكر الصولي قال : أنشدني عون بن محمد الكندي ، لبعضهم و ملح :
لقد كان في عينيك يا عمرو شاغل ... و أنفٌ كثيل العَوْد عما تتبع
تتبعت لحنا في كلام مرقّش ... ووجهك مبني على اللحن أجمــــع
فعيناك اقواء ، و أنفــــــك مكفأ ... ووجهك اكفاء ، و أنت المرقع
و يروى :
أذناك اقواء و أنفك مكفأ ... و عيناك ايطاء ، و أنت المرقع
و قال ابن جريج في سوّار بن أبي شُراعة :
و ذكرك في الشعر مثل السنا ... د و الخرم و الخزم أو كالمحالِ
و ايطاء شعر و اكفاؤه ... و اقـواؤه و ذكـــر الــــرُّذال
و ما عيب شعر بعيب له ... كأن يبتلى برجــــال السّفال
يتاح الهجاء لهاجي الهجا ... ء داء عضالا لداء عضال
و قد أوردنا هذه لموضع استقباح عيوبها ، و تشبيه أحوال المهجو به ، تأكيدا لقبحها في النفس ، و تحريضا على اجتنابها لرفع اللبس .
.................
من عدد من كتب التراث
خالد ع .خبازة
في الشعر و أوازنه
البحث السادس عشر
فيما يجوز للشاعر .. وما لا يجوز
أولا : فيما لا يجوز للشاعر
فيما يتعلق بالشعر العمودي ، فانه يتوجب على الشاعر الالتزام بالوزن و القافية أولا و بقواعد النحو و الصرف ثانيا .. الا أن هناك حالات معينة يجوز فيها للشاعر تخطي بعض هذه القواعد عنما تتطلب الضرورة ذلك .. كما أن هناك حالات أخرى لا يجوز له تخطي هذه القواعد ..
و في هذا البحث سنبين ما هي الحالات التي يجوز فيها للشاعر تجاوز بعض القواعد العروضية أو النحوية .. و ما لا يجوز له ، عل يستفيد منها شعراؤنا .. أخص المستجد منهم للأخذ بيده ليكون على بينة من أمره في نظمه القريض . و هذه المعلومات منقولة من مجموعة من كتب التراث العربي مع الاختصار و الزيادة قليلا أوالنقصان .
و ما يجوز للشاعر المولد استعماله في شعره من الضرورة ، هو جميع ما استعمله العرب في اشعارهم من الضرورات ، سوى ما استثني منها ، و ما سنبينه لاحقا . و المولد في ضرورات شعره ، و ارتكاب صعابها ، أعذر من العربي الذي يقول في لغته بطبعه .
أما الذي لا يجوز للمولد استعماله ، و لا يسامح في ارتكابه ، فهو جميع ما يأتى عن العرب لحنا لا تسيغه العربية ، و لا يجوّزه أهلها ، سواء كان في أنشاء البيت ، أو في قافيته ، فان اللحن لا يجوز الاقتداء به ، و لا النزول في شُعَبه .
فمن ذلك اللحن الذي سموه جرّا على المجاورة . قال الشاعر :
فيا معشر العرب ان جاز شربكم ... فلا تشربوا ما حج لله راكبِ
شرابــا لغزوان الخبيث فانـــــــه ... يناهيأأأكم منأه بأيمانِ كاذبِ
و هذا لحن قبيح ، و صوابه : ما حج لله راكبُ بضم الباء و ليس بكسرها .
و قال الآخر :
أطوف بها لا أرى غيرها ... كما طاف بالبيعةِ الراهبِ
جعل الراهب مجرورا على الجوار ( لفظة الراهب جاورت لفظة البيعة المكسورة ) وهو لحن قبيح ، و صوابه : كما طاف بالبيعةِ الراهبُ . و قال آخر :
كأن نسْجَ العنكبوتِ المرمّلِ
و صوابه : المرمّلا . و هو صفة لنسج و ليس للعنكبوت .. و أما قول الآخر :
كأنما ضرّبت قدام أعينها ... قطنا بمستحضر الأوتار محلوجِ
و صوابه محلوجا . و كل ذلك ، انما أتوا به بناء على ما ورد عن العرب من قولهم :
هذا جُحْرُ ضبٍّ خَرِبِ ، و ليس الخرِبُ من صفة الضب . فالخرب صفة للجحر .
و مما لا يجوز للمولدين استعماله ، ما استعمله العرب من التقديم و التاخير ، و الفصل الذي لا وجه لشيء منه ، و لا يجوز للمولد الحذو عليه ، و لا الاقتداء به ، فانه لحن مستقبح ، كقول الشاعر :
لها مقلتا حوراءَ ، طُلَّ خميلةً ... من الوحش ، ما تنفك تُرعى عرارُها
أراد : لها مقلتا حوراء من الوحش ، ما تنفك تَرعى خميلةً طُلَّ عُرارُها . و قال آخر :
فقد و الشكُّ ، بيّن لي ، عناءٌ ... بوَشْكِ فراقهم ، صُرَدٌ يصيحُ
أراد : فقد بين لي صرد يصيح ، بوشك فراقهم و الشك عناء .
و قال الآخر :
فأصبحت ، بعد خَطّ بهجتها ... كأن قفرا ، رسومَها قلما
أراد : فأصبحت بعد بهحتها قفرا ، كأن قلما خط رسومها . و مثل ذلك كثير ..
و قد ترى ما في هذه الأبيات من الفصول و التقديم و التأخير ، و مثل هذا لا يجوز للعرب المتقدمين ، فضلا عن المولدين المتأخرين ، و لا يجوز لأحد أن يتخذه رسما يعمل عليه .
و مما لا يجوز للمولدين الاقتداء به ، و لا العمل عليه ، لأنه لحن فاحش ، الاقواء في القافية ، و ذاك أن يعمل الشاعر بيتا مرفوعا ، و آخر مجرورا ، كقول النابغة الذبياني :
أمن آل مية رائح أم مغتدي ... عجلان ذا زاد و غير مــــزوَّدِ
زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... و بذاك خبّرنا الغرابُ الأسودُ
و من المستغرب ، كيف ذهب ذلك عن النابغة ، مع حسن نقده للشعر ، و صحة ذوقه و ادراكه لغوامض أسراره ، و نعلم ما أخذه على حسان بن ثابت ، مما تحار الأفكار فيه . و لما نُبِّهَ على موضع الخطأ ، لم يصل الى فهمه و لم يأبَه له ، حتى غنت به قينة وهو حاضر ، و لما مددت جملة " خبرنا الغراب الأسود " ، و بينت الضمة في الأسود بعد الدال المكسورة في البيت السابق ، فطن لذلك ، و علم أنه مقوٍ في البيت المذكور ، مما دفعه الى القول : " و بذاك تنعاب الغرابِ الأسودِ " .
و كقول مزرد بن ضرار في أبيات :
ألم تعلم الثُّعلاءُ لا درّ درُّها ... فزارة أن الحق للضيف واجبُ
تشازرت فاستشرفته ، فرأيته ... فقلت له آ أنت زيـــدُ الأرانبِ
و كقول حسان بن ثابت :
لا بأس بالقوم من طول و من قصر ... جسم البغال ، و احلام العصافيرِ
كأنهم قصــــبٌ جــــــــــوفٌ أسافله ... مثقب نفـــخت فيــــــه الأعاصيرُ
و لا يكون النصب مع الجر ، و لا مع الرفع في الاقواء ، و الجميع لحن مردود ، و لم يرد عن العرب شيء من ذلك . و ليس للمقيد مجرى ، يعني حركة الروي ، و انما هو للمطلق ، و يظن أن من ارتكب الاقواء من العرب ، لم يكن ينشد مطلقا ، بل ينشده مقيدا ، و يقف على قافيته ، كقول دريد بن الصمة :
نظرت اليه و الرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممددْ
فأرهبت عنه القوم حتى تبددو ... و حتى علاني حالك اللون اسودْ
و في المطلق فهو عذر مقبول .
و مما لا يجوز للمولدين استعماله ، و لا ورد لأحد رخصة في مثله ، الاكفاء ، و هو اختلاف حرف الروي ، و مثال ذلك قول الراجز :
برني ان البِرّ شيء هِينُ ... المنطق الطيب و الطعيمُ
و هنا جمع بين حرفي الروي : النون في عروض البيت و الميم في ضربه .
و قول آخر :
ان يأتني لص ، فاني لصُّ ... أطلس مثل الذئب اذ يعتسُّ
سوقي حداثي ، و صفير النسُّ
و مما لا يجوز للمولد .. الايطاء ، وهو أن يقفي الشاعر بكلمة في بيت ، ثم يأتي بها في بيت أخر يكون قريبا من الأول ، فان تباعد ما بين البيتين بما قدره عشرة أبيات فصاعدا ، كان الذنب مغفورا، و العيب مستورا ، و انتثل من المحظور الى الكراهية ، فان كانت احدى القافيتين نكرة ، و الأخرى معرفة ، فقد زالت الكراهية ، و كان الى الجواز أقرب من الامتناع . و قد أوطأت العرب كثيرا . قال النابغة الذبياني :
أو أضع البيت في خرساء مظلمة ... تقيد العير لا يسري بها الساري
ثم قال بعد أبيات يسيرة :
لا يخقض الرز عن أرض ألمّ بها ... و لا يضل على مصباحه الساري
و قال ابن مقبل :
أو كاهتزاز رديني تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا
ثم قال بعد أبيات :
نازعت ألبابها لي بمقتصر ... من الأحاديث حتى زدتني لينا
و مما لا يجوز للمولد استعماله ، السناد ، وهو اختلاف كل حركة قبل حركة الروي ، كقول عمرو بن الأهتم التغلبي :
ألم تر أن تغلب أهل عز ... جبال معـــــاقل ما يرتقَينا
شربنا من دماء بني سليم ... بأطراف القنا حتى روِينا
ففتحة القاف ، و كسرة الواو ، سناد لا يجوز .. لأن أحد الحذوين يتابع الردف ، و الآخر يخالفه . و قد أجاز الخليل الضمة مع الكسرة ، و منع من الضمة مع الفتحة ، فان كان مع الفتحة ضمة أو كسرة ، كان سنادا ، فأما الذي جوّزه ، فكقول طرفة :
أرث العين خيال لم يقِرْ ... عاف و الركب بصحراء يسُرْ
فهذه ضمة مع كسرة و هو جيد ، و أما الذي منع منه و ذكر أنه سناد ، فكقول رؤبة :
و قاتم الأعماق خاوي المخترَقْ
ثم قال :
ألف شتى ليس بالراعي الحمِقْ
فجمع بين الفتحة و الكسرة . ثم قال :
مضبورة فرواء هرجاب فُنـُقْ
فأتى بالضمة مع الفتحة و الكسرة ، و هو سناد قبيح لا يجوز استعمال مثله . و مثله في القبح مع الجمع بين الكسرة و الفتحة و الضمة ، قول الأعشى :
غزاتك بالخيل أرض العَدْ ... و في اليوم من غزوة لم تحِمْ
و جيشهم ينظرون الصبا ... ح و جذعانها كلفيظ العجَم
قعودا بما كان من لأمة ... و هن قيام يلُــكنَ اللُّجُم
و حكي : أن الأخفش لم يكن يرى ذلك سنادا ، و يقول : قد كثر مجيء ذلك من فصحاء العرب .. و المعوّل على ما قاله الخليل ، لا غير .
و أجاز الخليل مجيء الياء مع الواو ، في مثل " مشيب و خطوب " و " أمير ووعور " ، فان أردفت بيتا و تركت آخر ، فهو سناد و عيب لا ينسج على منواله ، كقول الشاعر :
اذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما و لا توصه
و ان باب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا و لا تعصه
فالواو ، التي في توصه ردف ، و الصاد حرف الروي ، و البيت الثاني ليس بمردف ، . فهذا سناد ، وهو عيب قبيح قلما جاء .
و قال الخليل بن احمد : رتبت البيت من الشِعر ، ترتيب البيت من الشَّعر ، يريد الخباء .. قال : فسميت الاقواء ، ما جاء من المرفوع من الشعر ، و المخفوض على قافية واحدة . و انما سميته اقواء ، لمخالفته ، لأن العرب تقول : أقوى الفاتل ، اذا جاءت قوة من الحبل ، تخالف سائر القوى . قال : و سميت تغير ما قبل حرف الروي سنادا ، من مساندة بيت الى بيت اذا كان كل واحد منها ملقى على صاحبه ، ليس هو مستويا كهذا . قال : و سميت الاكفاء ما اضطرب حرف رويه ، فجاء مرة نونا و مرة ميما و مرة لاما ، و تفعل العرب ذلك ، لقرب مخرج الميم من النون .
و أما التضمين ، فهو أن يبنى البيت على كلام يكون معناه في بيت يتلوه من بعده ، مقتضيا له . كقول الشاعر .
و سعد ، فسائلْهُمُ و الربابُ ... و سائلْ هوازن عن اذا ما
لقيـــــناهُمُ كيـــــف تعلوهُمُ ... بواترُ يقربن بيضا و هاما
و كل هذه العيوب لا يجوز للمولدين ارتكابها ، لأنهم قد عرفوا قبحها ، و شاهدوا في غيرهم لذعها و لفحها ، و البدوي لم يأبه لها .
و مما لا يجوز للمولد استعماله ، كسر نون الجمع ، في مثل قول جرير :
عرينٌ من عُرَينة ليس منا ... برئت الى عرينة من عرين
عرفنا جعفرا و بني عبيــد ... و أنكرنــــا زعانف آخرينِ
و هذا لحن ، و صوابه فتح نون آخرين . و قال سحيم بن وثيل :
عذرت البُذْل ان هي خاطرتني ... فما بالي و بال ابني لبونِ
و ماذا يدَّري الشعراء مني ... و قد جاوزت رأس الأربعينِ
و الصواب فتح نون الأربعين . و قال الفرزدق يخاطب الحجاج بن يوسف ، لما أتاه نعي أخيه ، في اليوم الذي مات فيه ابنه محمد :
اني لباك على ابني يوسف جزعا ... و مثــل فقدهما للدين يبكيني
ما سدَّ حي ولا ميـــــت مسدهما ... الا الخلائـــف من بعد النبيينِ
فكسر نون النبيين ، و الصواب فتحها . و كل هذا لا يحوز للمولد الحذو عليه ، و لا الاحتجاج به ، و لذلك يقول السيد الحميري :
و ان لساني مقوَلٌ لا يخونني ... و اني لمـــا آتي من الأمــــر متـــــقنُ
أحوك و لا أقوي ، و لست بلاحن ... و كم قائل للشعر.. يقوي و يلحن
و قال عدي بن الرقاع :
و قصيدةٍ قد بتُّ أجمعُ بينها ... حتى أقوِّم ميلها و سنادها
نظر المثقٍّف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافــــه منآدها
و أنشد أبو بكر الصولي قال : أنشدني عون بن محمد الكندي ، لبعضهم و ملح :
لقد كان في عينيك يا عمرو شاغل ... و أنفٌ كثيل العَوْد عما تتبع
تتبعت لحنا في كلام مرقّش ... ووجهك مبني على اللحن أجمــــع
فعيناك اقواء ، و أنفــــــك مكفأ ... ووجهك اكفاء ، و أنت المرقع
و يروى :
أذناك اقواء و أنفك مكفأ ... و عيناك ايطاء ، و أنت المرقع
و قال ابن جريج في سوّار بن أبي شُراعة :
و ذكرك في الشعر مثل السنا ... د و الخرم و الخزم أو كالمحالِ
و ايطاء شعر و اكفاؤه ... و اقـواؤه و ذكـــر الــــرُّذال
و ما عيب شعر بعيب له ... كأن يبتلى برجــــال السّفال
يتاح الهجاء لهاجي الهجا ... ء داء عضالا لداء عضال
و قد أوردنا هذه لموضع استقباح عيوبها ، و تشبيه أحوال المهجو به ، تأكيدا لقبحها في النفس ، و تحريضا على اجتنابها لرفع اللبس .
.................
من عدد من كتب التراث
خالد ع .خبازة

0 التعليقات:
إرسال تعليق