مستقبل القصيدة .. أ. فائق موسى

أضف تعليق
(مُستقبلُ القصيدة)
سُؤالٌ في غايةِ الأهميَّة طرحَه أحدُهم عليَّ وكانَ لابدَّ منَ الإجابةِ, ولوْ كانتْ صعبةً جدّاً ..
يعتقدُ بعضُهم أنّ التَّطوُّرَ الذي أصابَ الشَّكلَ والمضمونَ في القصيدةِ العربيَّة هو نتاجُ التَّواصلِ معَ الغربِ, وأنّ القصيدةَ الحديثةَ هي نتاجُ تأثُّرِ الشُّعراءِ العربِ بما وصلَ إليهم منْ ترجماتٍ لشعراءَ غربيين أمثالُ موليير وبايرون وت. س. إليوت. وكذلك وصولُ المدارسِ والمذاهبِ الأدبيَّة الغربيَّة في الشِّعرِ والنَّقدِ على تعدُّدِ أسمائِها منَ البنيويَّة إلى النَّصيَّة والتفكيكيّة وغيرِها. وقدْ نسيَ أولئك المُغتربين أنّ الشِّعرَ في بلادِ العربِ أسبقُ إلى الظُّهورِ منْ غيرِه في أماكنَ أخرى, لأنَّ أكثرَ التنقيباتِ الأثريَّةِ أكدَّتْ على أنّ بلادَ شرقيِّ المتوسطِ كانتْ مهدَ الحضارةِ, واللُّغةُ والأبجديَّةُ والكتابةُ أدلةٌ ثابتةٌ على ذلكَ, لا يمكنُ ردّها منْ أيِّ باحثٍ مُحايدٍ وموضوعيِ.
نستنتجُ من ذلك أنّ العربَ أو سكَّانَ شرقيِّ المتوسطِ على اختلافِ حضاراتِهم وآثارِهم عرفوا الشِّعرَ بنمطيهِ المنثورِ والموزونِ, كما سبقوا اليونانَ والرُّومانَ في كتابةِ الملاحمِ, وملحمةُ جلجامش شاهدٌ حيٌّ وموَثَّقٌ على ذلك, وإن كانوا فيما بعدُ قد فصلوا بينَ النَّثرِ والنَّظمِ, وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في عمليةِ انتقالٍ وتجنيسٍ وتنظيمٍ, ليحدِّدوا أنواعَ الكتابةِ والأدبِ, ومعَ تطوُّرِ الحياةِ ووسائلِ العيشِ تطوّرَ الأدبُ, فالأدبُ نتاجُ عقولِ النَّاسِ, وهكذا بدأ الشُّعراءُ يحدِّدون شكلَ الأدبِ الذي يكتبونه, وحيثُ أنّ الكتابةَ كانت معروفةً في مصرَ وبلادِ الشَّامِ والعِراقِ, فقدْ وجدتْ الآثارُ مكتوبةً على رُقمٍ في مكانٍ, وعلى أوراقِ البرديِّ في مكانٍ آخرَ. ولمّا كانت الجزيرةُ العربيةُ تعتمدُ حياةَ التَّنقُّلِ والرَّعيِ في معظمِ نواحيها, فقد أهملَ أكثرُ سكّانها الكتابةَ لأنَّ أدواتِها صعبةُ الحفظِ والنَّقلِ من مكانٍ إلى آخرَ,وقد تكشفُ التنقيباتُ الأثريةُ في المستقبلِ شيئاً يفتحُ باباً للخوضِ في هذا الموضوعِ بشكلٍ أفضلَ, وهكذا استخدموا الرِّوايةَ والحفظَ, وباعتبارِ النَّظمِ من الأدبِ سهلَ الحفظِ, فقدْ صارَ محلَّ اهتمامهم, ولذلكَ قالوا عنه:( الشِّعرُ ديوانُ العربِ) ولذلكَ وحتّى الآنَ لم نعثرْ على آثارٍ كتابيةٍ لقصائدَ عربيّةٍ من عصرِ ما قبلِ الإسلام, وأفترضُ أنّ ذلك لا يزالُ في طورِ التَّخمينِ, حيثُ أنّ النَّاسَ في شبهِ الجزيرةِ العربيةِ لم يدوِّنوا قصائدَ شعرائِهم, أو أُتلفَتْ كلُّ الآثارِ المكتوبةِ بفعلِ عواملِ الطَّبيعةِ من جهةٍ, أو بشكلٍ مقصودٍ بالنِّسبةِ لكلِّ ما كانَ قبلَ الإسلامِ أو بدايةِ الدَّعوةِ لأنَّه وثنيٌّ أو يطالُ الدَّعوةَ والرَّسولَ, وقد كانَ هناكَ منْ هجا الرَّسولَ, ولكنْ لم يصلْنا هذا الهجاءُ, فحسَّانُ بنُ ثابتٍ يقولُ مخاطباً أبا سفيانَ المغيرةَ بنَ الحارث:
هَجوتَ مُحمّداً فأجبتُ عنهُ                   وعندَ اللهِ في ذاكَ الجَزاءُ
 إلى آخرِ القَصيدةِ ... وهذا دليلٌ واضحٌ على أنّ هناك شعراً لم يصلْ إلينا لأسبابٍ دينية. كما أنّ بداياتِ الشِّعرِ أو ضعيفهِ بينَ القبائلِ لم يصلْ إلينا لأسبابٍ تتعلقُ بالعصبيَّةِ القبليَّةِ التي تحرصُ على نقلِ الأفضلِ والأجملِ والمُستوفي لشروطِ البناءِ الفنيِّ من شكلٍ ومضمونٍ, وهذا أمرٌ طبيعيٌّ في ذلك العصرِ الذي كانتِ الكتابةُ فيه قليلةً ومقتصرةً على أمورٍ هامَّة كالعقودِ والعهودِ والمواثيقِ والمعاهداتِ التي تنظِّم العلاقات بين الدُّول, ولم يكن ذلك بين القبائل, بلْ على أطرافِ شبهِ الجزيرةِ العربيَّة حيثُ حضاراتُ الفرسِ والرُّومانِ.
واستمرَّت القصيدةُ العربيَّةُ في حركةِ تطوُّرٍ واضحٍ, فاستقلَّتْ موضوعاتُها بعد الإسلامِ, وكانتَ قبلُ تتضمَّن العديدَ من الموضوعاتِ كحالِ ما يسمَّى المُذهَّبات أو المعلَّقات, ففي العصور اللَّاحقة تحدَّدت موضوعاتُ القصيدةِ عندَ مُعظم الشُّعراء, وتجدَّدت موضوعاتُهم بتجدَّد الحياةِ, وتغيّرِ أنماطِها, لكنَّ الشّكل الفنِّي بقيَ ولمْ يحدثْ فيه تجديدٌ يُخلّ ببنيةِ القصيدةِ من حيثُ الوزنِ والقافيةِ واستخدامِ المحسِّنات البديعيّة واللَفظيّة, ولكنْ استُحدثت أشكالٌ لا تخرجُ عن الإطارِ العامِ, بل توزّعُ الإيقاعَ الموسيقيَّ كما تفعلُ النوتةُ في الموسيقى .حتى ظهرت قصيدة التفعيلة وما تبعها من توزيع الإيقاع والتفعيلات بشكل جديد.
التَّطوّر يقتضي التَّقّدم وليس الرُّجوعَ إلى الوَراء, فهلْ منَ المنطقيِّ بعدَ كلِّ ما اكتشفهُ العلماءُ والباحثون في علوم الحياة الماديَّة والمعنويَّة أنْ يعودوا إلى عهدِ البدائيّة والمشاعيّة في شكلِ ومضمونِ حياتهم, هلْ يصحُّ بعدَ ما اكتشفهُ علماءُ الموسيقى من نوطةٍ وألحانٍ أنْ يعودوا إلى بداياتِ الأصواتِ الموسيقيةِ كموجِ البحرِ وزقزقةِ العصافيرِ وحفيفِ أوراقِ الشَّجرِ, أو طرقاتِ المطارقِ فيما بعدُ. أمن المعقول أنْ يهملَ الشُّعراءُ الموسيقى والأوزانَ التي تأصَّلتْ وتبلورتْ عبرَ آلافِ السِّنين ليخترعوا أو يُوجدوا أنواعاً جديدةً من الكتابةِ, ويسمُّونَها قصيدةَ العصرِ.
إنّ الاعتقادَ السَّائدَ عندَ كثيرينَ من شعراءِ هذهِ الأيّامِ أنّ قصيدةَ النَّثرِ كما يسمُّونها هي نتاجُ تطوُّرٍ في شكلِ القصيدةِ العربيةِ, وهيَ أتتْ من الغربِ, هو اعتقادٌ بعيدٌ عنِ الدِّقَّةِ, فالنَّثرُ الفنيُّ كانَ منذُ القدمِ, وكانَ ينافسُ الشِّعرَ في العصرِ العبّاسيِّ.
سؤالٌ برسمِ المهتمِّينَ بالشِّعر. معْ اعتقادي الجازمْ بأنّه لا شعرَ منْ غيرِ موسيقى ووزنِ, وإلاّ فهناكَ مُستنقعٌ لا خروجَ منهُ وليسَ لهُ أيُّ طائلٍ.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

About Author

عن الكاتب

ملتقى شاعر العرب ، للشعر و الأدب

حقوق الطبع والنشر محفوظة ملتقى شاعر العرب . يتم التشغيل بواسطة Blogger.